• Wednesday, 29 May 2024
logo

"إصلاحيات فاسدة".. سجون العراق مدارس للإجرام ومفرخة للمتعاطين واللصوص

بدل أداء مهامها ودورها في اصلاح المعتقلين، تحولت السجون العراقية إلى بؤر لإنتاج متعاطي المخدرات والكريستال ، فضلاً عن تعليم الإجرام واللصوصية ، عبر خلط المعتقلين ببعضهم، وهو ما يثير غضب المنظمات المعنية والحقوقية، وسط دعوات لوضع حل لهذا الواقع المأساوي، والذي جرّ على البلاد الكثير من الولايات.

وبدل أن تتحول السجون إلى ورشات فنية، لتعليم المهارات المختلفة، كالحدادة والنجارة، أو توضع فيها مكتبات عامة، وتقام فيها  الدورات التثقيفية فإنها أصبحت ملتقى للمجرمين، وتجار المخدرات، وما يشكل خطورة أكبر، هو بقاء المعتقلين الذين احتُجزوا بسبب جنحة، أو جرائم أقل قوة مع عتاة المجرمين.

وتنتشر في سجون العراق ما بعد 2003 انتهاكات حقوق الإنسان ضد النزلاء، وتوجد تقارير مؤكدة عن تعذيب واعتقال تعسفي، إذ لجأت قوات الأمن والميليشيات إلى أساليب وحشية لانتزاع اعترافات أو معاقبة الأعداء المفترضين.

 وتظهر أدلة مصورة من داخل هذه السجون الظروف البائسة التي يعيش فيها المعتقلون، إذ تظهر زنازين مكتظة بالمعتقلين لدرجة أن الأرضية غير مرئية، ومراهقون ينامون في وضع الجنين بسبب نقص المساحة، وهو ما يمثل ظروفاً توفر أرضية خصبة لتربية المجرمين والإرهابيين، والأكثر إثارة للقلق هو افتقار الحكومة الواضح لمبادرة من أجل إصلاح هذا النظام.

كما كانت تقارير قد تحدثت عن حالات اغتصاب وانتهاك للأعراض، حيث صرح رئيس مؤسسة الإصلاح والتغيير صباح الكناني في وقت سابق ، عن وجود "حالات جنسية واغتصاب ولواط وضرب بالسكاكين"، مبيناً أن "سجناء تبلغ أعمارهم ما بين 15 عاماً و20 عاماً يتم بيعهم بـ 8 آلاف دولار داخل السجون".

 ويضيف الكناني، وهو أحد المهتمين بملف السجون، أنه "يتم بيع النساء داخل السجن بسعر 10 آلاف دولار"، لافتاً إلى أن "الإرهابيين يعيشيون كالسلاطين داخل السجون"، محملاً مديري السجون مسؤولية ذلك ، مشيراً إلى أن "هناك مسؤولين وراء ما باتت تعرف بـ (تجارة الحلوين) داخل السجون، من خلال تواطؤ بعض الضباط والمسؤولين مقابل بدل مادي، في عملية نقل شبّان صغار السن إلى مكان سجن هؤلاء للاعتداء عليهم جنسياً، حيث بات كبار السجناء، أشبه بالعصابات ويمتلكون الكثير من الأموال".

في هذا السياق، يرى الناشط في مجال حقوق الإنسان، وسام العبدالله، أن "ما يحصل في السجون العراقية يمثل كارثة إنسانية، لأنها تبتعد يوماً بعد آخر عن المعايير العالمية، وتلك التي وضعتها المنظمات الحقوقية، ما يشكل انتهاكاً لحقوق المعتقلين، وتحويلهم إلى مجرمين حقيقيين عبر خلطهم مع المجرمين الآخرين، وغياب أي برامج توعية، أو ورشات فنية، يمكن أن تسهم في إصلاح الأفراد".

وأضاف العبد الله  أن "نكبة السجون تأتي في سياق الفوضى العراقية، التي تلاشت فيها كل شيء يتعلق بمعالم الدولة، والمسؤولية والعدالة"، مشيراً إلى "ضرورة تدخل وجهاء المجتمع وقادته في هذه القضية التي تحولت إلى كابوس كبير، ومأزق يهدد حتى بنية المجتمع العراقي".

وتابع، أنه "من خلال المتابعة فإن بعض الشبان والفتيان الذين دخلوا السجون بسبب مخالفات يسيرة خرجوا وهم يتعاطون المخدرات، ولديهم أفكار إجرامية ، وبالفعل انخرطوا في هذا المسار الخطير".

 وتؤكد مصادر رسمية من وزارة العدل الاتحادية أن عدد السجون في عموم البلاد يبلغ 30 سجنا، تضم نحو 75 ـ 100 الف سجين بين محكوم وموقوف بجرائم جنائية أو بقضايا "الإرهاب"، ومن بين السجناء 1500 امرأة، إضافة إلى سجن آخر يعرف بسجن "سوسة" في محافظة السليمانية.

وتتصاعد الدعوات إلى بناء سجون جديدة بمواصفات إصلاحية وضرورة فك الاختلاط بين السجناء، من خلال عزل المدانين بقضايا وأحكام خفيفة عن المدانين بأحكام مثل "الإرهاب" والفساد والجرائم الجنائية الكبرى.

بدوره، أكد مسؤول في وزارة العدل الاتحادية، أن "ما يحصل في ملف السجون يمثل كارثة كبرى، بسبب تداخل الملف بشكل معقد ، وارتباطه بالفساد المالي والإداري، ورغبة الكثير من المعنيين ببقاء المعتقلين في السجون، للحصول على أموال من ورائهم، حيث تخصص الحكومة، لكل سجين مبلغ محدد لطعامه وشرابه وعلاجه".

وأضاف المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية،  أن "بعض المسؤولين يعتاشون بالفعل على الأموال المخصصة للمعتقلين، ويستحصلون نسبة منها، لذلك فإن الطعام المخصص لهم لا يصل كاملاً، وكذلك الأموال المخصصة للعلاج تذهب هباءً منثوراً، وهو ما تسبب بارتفاع نسبة الوفيات جرّاء الأمراض كالفشل الكلوي، وهذا يعود بسبب سرقة الأموال المخصصة للعلاج".

 ولا تقف حلول مشكلة اكتظاظ السجون عند نقطة معينة، إذ تتصاعد الدعوات بشأن ضرورة إجراء مراجعة شاملة لملف السجناء، وتعديل قانون العفو العام، الذي يمثل طوق نجاة للكثير من المعتقلين وعوائلهم، لا سيما أن الاكتظاظ ناتج عن الكثير من الدعاوى الكيدية وتبليغات المخبر السري التي قد تكون غير دقيقة.

ويقول حقوقيون عراقيون إنّ تهمة الإرهاب في العراق ، والكثير من التهم الأخرى تحمل مفهوما مطاطيا يوسّعه بعض أصحاب النفوذ السياسي في البلاد ليشمل مخالفيهم في الرأي وخصومهم السياسيين، فيما يضيقونه حين يتعلّق الأمر بجرائم كبيرة مثل التعذيب في السجون والقتل على الهوية خارج نطاق القانون وجرائم الميليشيات ضدّ المدنيين.

Top