• Tuesday, 21 May 2024
logo

ارادة البارزاني الخيّرة رسالة السلام و التعايش لشعوب العراق و المنطقة

ارادة البارزاني الخيّرة رسالة السلام و التعايش لشعوب العراق  و المنطقة
ترجمة / بهاءالدين جلال


(( هناك مسألتان تشغلان ضميري بدهشة و تقدير،ومهما افكر فيهما و أتأملهما إنهما يزيدان و يتجددان،و هما السماء و نجومها فوق رأسي و قانون الأخلاق في الخندق))
عمانوئيل كانت

يقول ديكارت:( قوانين كبيرة نظّمتْ الكون،ولكنها بسيطة) هذا القول لديكارت الذي هو ثمرة التقدم العلمي و بداية نهاية القرون الوسطى و بداية التخطي نحو التنوير و التفهّم في السلام و التسامح،يجعلنا نقول إنّ القوانين التي تنظّم حياة الأنسانية على كوكب الأرض هي رفيعة وكبيرة،ولكنها بسيطة ولها وجود في نفوس البشر وهي بحاجة الى ارادة خيرة لتوفير السعادة للأفراد،لذا عندما يحدث الفاصل العلمي الثاني بعد ديكارت وعلى يد نيوتن،ويبدأ ايضاً الفاصل المعرفي الثاني على يد (كانت) و وعي الانسان يدخل مرحلة أخرى و التفكير في تنظيم الكون يصل الى التفكير في تنظيم العلاقات بين الشعوب والأمم بسلام و انهاء الحروب وانعكاس الحرية داخل السلام. فأذا كان تفكير الانسان في الكون و مكوناته بحاجة الى علم والذي يسمى علم الطبيعة فإنّ قوانين الحرية هي الأخرى بحاجة الى علم و يسمى علم الاخلاق أو نظرية الاخلاق،عمانوئيل كانت الذي أختتم كتابه (نقد العقل التطبيقي)بعدة كلمات داخل القوسين الذي اشرنا اليها في مقدمة هذا الموضوع،و المسألتين اللتين ذكرهماعمانوئيل هما ( التعجّب في رفعة و كيفية تنظيم السماء و النجوم و رفعة و كيفية عمل القانون الاخلاقي)،اهمية هذا القول تكمن في أنّه مهما فكّر الانسان وتأمل عظمة تلك القوانين التي نظّمتْ الكون،وبمقابل ذلك عندما نتأمل في رفعة و كبر القانون الاخلاقي نحصل بأستمرار على التجدّد و التفهّم الجديد لسعادة و رفاهية الانسان.
ولكن السؤال الرئيس هنا هو أنّ القانون الاخلاقي الذي يذكره (كانت) موجود في اعماق كل انسان،و الى أي حد يستطيع هذا القانون من ضبط الجوانب السلبية التي تشكل دهاء العقل ، كالموهبة ، الذكاء،قدرة الحكم،الجرأة و الاصرار على تحقيق الاهداف ، وهذه تصبح احياناٌ عاملاً في التفاخر و الانحراف وبدلاً من أنْ تحقق السعادة ، فأنها تولّد افرازات سلبية كالحروب و العنف ؟و إنّ تقويم الجواب السلبية بحاجة الى ارادة خيّرة،والسؤال هو ما تعريف الارادة الخيرة وكيف؟يجيب كانت في كتابه بناء ميتافيزيقيا الاخلاق على ذلك بقوله((كل ما يُنجز في هذا العالم وخارجه من اعمال لايمكن اعتبار ها بشكل مطلق و دون شرط بأنها خيّرة،الاّ شيئاً واحداَ ألا وهو ارادة الخير)). اذن فإنّ ارادة الخير هي القوة الكبيرة التي تضبط الجوانب السلبية لنتاج عقلية الانسان،تنقل الانسان من طريق الحرب الى طريق السلام و بناء السعادة و السلام بين مختلف المجتمعات و الشعوب و الأمم،ان هذا النهج يؤدي بنا الى القول بأنّ الارادة الخيّرة هي الشاهد العاقل الذي لايؤيد اي انحراف أو افرازات سلبية لنتاج عقول البشرية،ولاتقبل تنظيم الجهود بأتجاه الخير،لذا فإنّ الشاهد العاقل هذا ،يتحول الى قوة مسيطرة على تصرّفات الانسان والتي لايمكن الاستغناء عنها لتنظيم حياة الافراد و المجتمع.ولكن نتساءل كيف يمكن التعرف على تلك القوة؟هل بالتأثيرات التي تتركها أم بالنجاحات التي تحققها؟يقول المفكرون في الاجابة على هذا السؤال : ليس من الشرط أنْ تحقق ارادة الخير النجاح في كل مرة وفي كل المجالات أو تكون تأثيراته قوية بحيث تمحو الأفرازات السلبية،بل أنّ ارادة الخير عندما لاتستطيع بكل مالديها من العوامل تحقيق الاهداف أو النجاح،وحتى لو نجحتْ، فلا تستطيع الانتكاسات تقليل ذرة من لمعان جوهرة ارادة الخير و لا النجاحات تستطيع من زيادتها،وهذا يقودنا الى الحقيقة التي يمكننا القول بصراحة اكثر أنّ ارادة الخيركقطعة جوهرة تحمل في ذاتها القيمة ولايمكن لأحد التقليل من تلك القيمة ولا زيادتها،لذا فأنّها تحتفظ بقيمتها حتى لو رُميتْ في الطين أو وضعتْ على مائدة من الذهب أو تم لفها بالحرير،انّ هذه الجوهرة لاتحتاج الى مدح أناس آخرين لتعريفنا بها أو جلب انتباه الذين لايعرفون شيئاَ عن معناها و قيمتها،و إنّ ظهور قوة ارادة الخير لادارة القانون الاخلاقي لايعني فرض منهاج يخضع له الناس أو اتباعه وإنّما كظاهرة تنظم التعاون و التنسيق بين العناصر الاخرى بين الآفراد و سائر المجتمع،ومن اجل أن يخطو الجميع نحو السعادة والرفاه، فان التنسيق و التعاون بين افراد المجتمع التي ظهرتْ كفلسفة شعبية اخلاقية تتحول الى اتخاذ خطوات نحو بناء ميتافيزيقا الاخلاق ويمكن تسميتها بقوانين الحرية،ولايمكن بناء تلك القوانين مالم يتوفر السلام و الأمن داخل هذا المجتمع،ان هذا الاتجاه سوف يفتح لنا باباّ للقول بأنّ ارادة الخير لادارة القوانين الأخلاقية هي الخطوة البدائية لبناء السلام الاجتماعي و السلام بين الشعوب المختلفة،وان هذه الارادة التي تحقق التسامح و التعايش عن طريق القوانين الأخلاقية،ترد على القول الذي يتردد منذ مئات السنين بأن ( الحرب تُستخدم من أجل السلام)ولكن التأريخ قد أثبت بأن الحرب هي من اجل الحرب و تحقيق وقف اطلاق النار ولايمكن مطلقاّ انْ تولّد الحرب السلام،لأن القضايا و الازمات كالقضية الكوردية في الشرق الاوسط،وصلت الى المستوى بأن اسلوب استخدام القوة للتعامل مع حل المشكلات اصبح جزءا من شبكة النسيج الاجتماعي للمجتمع و لايمكن التفكير في اتخاذ الخطوات لحل تلك المشاكل سلميا،و فصل الازمة عن المكونات الاجتماعية للأطراف المتنازعة،وفي هذه الحالة بالأمكان الأستشهاد بالأتفاقيات السياسية بين مصر و اسرائيل أو بين الفلسطينيين و الاسرائيليين،وعلى سبيل المثال تمكن جيمي كارتر من اقناع السادات و مناحيم بيغن على التصافح و التوقيع على اتفاقية كمب ديفيد،ولكن تلك الاتفاقية لم تتمكن من منع ظهور العنف و اغتيال السادات،كما تمكن بيل كلنتون من التقارب بين ياسر عرفات و اسحق رابين في بوسطن و المصافحة ومن ثم التوقيع على اتفاقية أوسلو،والاتفاقية لم تتمكن فقط من افشاء السلام بين فلسطين و اسرائيل ، وحتى انها لم تتمكن من انقاذ اسحق رابين من أيدي اليهود المتطرفين،وهذا مؤشر على أنه طالما استخدام العنف اصبح جزءا من تشكيلة النسيج الاجتماعي بين العرب و اسرائيل،لذا فأن قبول السلام أو تغيير اتجاه الازمات نحو السلام ليس بالأمر الهيّن.
بناء السلام في خضم المشكلات المعقدة في العراق و المنطقة
على مر تأريخ تأسيس الدولة العراقية،فأن الازمات و المشكلات في هذا البلد تم التعامل معها في اطار نظام استخدام القوة و القمع و خضوع المقابل، لذا فأن هذا التأريخ لم يحقق غير سفك الدماء و الأبادة الجماعية و اضافة الى ذلك فأن العنف و رفض المقابل أصبح جزءا من نسيج التشكيلة الاجتماعية لمختلف المجتمعات العراقية والآن يضطر الساسة العراقيون الى اصدار قراراتهم داخل النسيج الاجتماعي العربي العراقي من اجل جمع الاصوات و اثبات وجودهم بين كل هذا العنف و الرفض الآخر،و لهذا عندما نريد أن نفكر في هذه البيئة بتغيير اتجاه ادارة القضية من استخدام القوة الى استخدام العقل و المنطق وايجاد الحلول السلمية لها،نشعر بأن ثقافة الحلول السلمية للمشكلات تخالف ظاهرة العنف و الرفض الآخر و الاستعداد لتقدير الثقافة و الجهود لهذه الحلول بالأساليب السلمية لايواجه التقدير الضروري،وهذه ليست حالة نظرية أو تقديرية لمنهج تحليل سياسي، بل أنها رد للواقع الذي نراه يوميا،و الواقع هذا يبين لنا عندما نقف عند مشكلة من مشاكل العراق اليوم ، علينا الفصل بين الواقع السياسي و الواقع الاجتماعي للمكونات العراقية ،والشعور بالتجربة التي تؤكد بأن مجرد الاتفاقات السياسية و اجتماع المكونات السياسية العراقية حول المائدة الواحدة واصدار عدة قرارات لاتحل كافة المشكلات ،ويجب في الوقت نفسه بذل جهود أخرى الى جانب الجهود السياسية للوصول الى الاتفاقات السياسية من اجل تهيئة اجواء تنفي القرارات السياسية وأن لانتجاهل الحقيقة التي انعكست داخل النسيج الاجتماعي للمكونات العراقية المختلفة.ولذا لو بدأنا من هذه النقطة و نقف عند السنوات الثمانية التي تلتْ سقوط النظام العراقي السابق والتي كانت الجهود من الناحية الاعلامية تصب في ولادة فكرة جديدة حول بناء عراق جديد،فأننا نصل الى حقيقة أن سقوط نظام العراق السابق،لم يستطع توجيه التفكير لدى النسيج الاجتماعي العربي العراقي بشأن كيفية حل مشكلات شعب كوردستان في العراق و كذلك من تغيير اتجاه القضايا المتراكمة بين شعب كوردستان و الحكومات العراقية المتعاقبة من اتباع الانكار للحقوق والرفض الى الاعتراف بالغير والتعايش.وهذا يعني بصراحة ان المحاولات جرت في السنوات الثمانية المنصرمة لبناء العراق بالعقلية القديمة للمكونات الاجتماعية العربية العراقية والمترسخة منذ 80 سنة الماضية حول التعايش السلمي و الاختياري.ولكن بسبب اتجاه التفكير العربي العراقي على المستوى الاجتماعي وليس السياسي، فلايوجد هناك استعداد لتنفيذ النقاط المدونة في الاتفاقيات السياسية و بضمنها (الدستور)،وكما نرى إن كل العناصر التي تم تسخيرها لتحوّل اتجاه ادارة المشاكل نحو الحل السلمي و الدستوري لاتتفق مع المزاج العام للنسيج الاجتماعي العربي العراقي،ويمكننا اعادة اسباب هذه الحالة الى ماقبل سقوط النظام و اجتماعات المعارضة العراقية داخل اراضي كوردستان و الخارج، بأن المعارضة العربية العراقية كانت تهدف الى اسقاط النظام السابق لتحل محله بنفسها اكثر مما كانت تهدف الى اعادة بناء العراق على أساس السلام، وهنا نشير الى عدة نقاط:
1-عندما نقول أنّ العنف ورفض الآخر اصبحا جزءاً من النسيج الاجتماعي للمجتمع العربي العراقي،لانقصد بذلك أن هذا النسيج يحب بطبيعتها العنف ورفض المقابل،وإنّما نقصد بأنه على مدى 80 عاماً قبل سقوط النظام السابق إن كل الانظمة المتعاقبة على الحكم في العراق زرعت في اعماق نفوس المجتمع العربي العراقي بذور العنف و رفض المقابل ،ومن اجل نمو هذه البذور وتشمل عموم نسيج المجتمع العربي العراقي لجأت تلك الانظمة مراراً الى الدين الاسلامي و رجال الدين العرب ليحلّلوا فتوى قتل الكورد. و من ثم بدأتْ عمليات ابادة الجماعية للشعب الكوردي تحت ستار سور القرآن الكريم بأسم الأنفال، والسؤال ازاء هذا الواقع هو:الى أي حد شعرت القيادة الكوردية و على رأسها البارزاني الراحل بهذه الحقيقة وهي أن هذا هو واقع حال المكون الاجتماعي العربي بشكل عام و العربي العراقي خصوصاً حيال الكورد و حقوقه؟لاشك فيه إن التأريخ يذكّرنا بأن البارزاني الراحل ليس في بداية ثورة ايلول ، وانما في بداية ثورة بارزان الثانية عندما استمرت الحرب العالمية الثانية بين الشعوب في العالم أجمع،وصل الى القناعة ان السلام بين الشعوب و الأمم لايتحقق بالحروب والحرب في احسن حالها تؤدي الى ايقاف النار مؤقتاً،اذا كان هدفنا النهائي هو السلام فينبغي اجتثاث جذور الحرب، البارزاني الراحل و في اولى خطواته في الحركة التحررية الكوردستانية ومن أجل منع العنف ومسح الآخر بأن يصبحا جزءاً من المكون الاجتماعي لشعب كوردستان والشعب العربي عموماً و العربي العراقي خصوصاً،كان مبادراً بكتابة رسالة تأريخية الى عبدالرحمن عزام باشا الذي اصبح رئيساً للجامعة العربية بعد تأسيسها،مد فيها يده بكل صراحة الى الشعب العربي داعياً الى التآخي بين الكورد و العرب والعيش معاً، ولكن السؤال الرئيس هو هل أن خطوة البارزاني الراحل هذه تمكنتْ من تغيير التفكير العربي في العراق؟التأريخ يجيب عن هذا السؤال وهو : نعم كان لها التأثير الكبير في ذلك،انها تمكنتْ رغم كل المحاولات التي بذلتها الحكومات العراقية المتعاقبة لتغيير نضال الحركة التحررية لشعب كوردستان لافتعال الحرب بين الكورد و العرب، ولكن جهود البارزاني استطاعت وضع حد لتلك المحاولات،وعدم السماح بتغيير الثورة الكوردستانية للقتال بين الكورد و العرب،ما جعل كبير المرجعية الشيعة سماحة محسن الحكيم يقف ضد دعوة الحكومة العراقية بأصدار الفتوى حول جعل دم الكورد حلالاً.
يوضح التأريخ لنا بأنه على مر ال 80 سنة الماضية كانت هناك ارادة شر داخل المكون العراقي لأعداد المكون العربي العراقي للقتال ، وفي المقابل كانت داخل الثورة الكوردستانية ارادة خيرة أعدتْ الشعب الكوردستاني للقبول الآخر و مد يد التآخي و التعايش.
2- السيد مسعود بارزاني احد الذين سار على نهج البارزاني الراحل و وسّع فيه و جعله منهاجاَ خاصاَ لحل المشكلات، والسبب في ذلك هو أنّ مرحلةقيادة مسعود بارزاني تختلف عن مرحلة البارزاني الراحل،لم تتخذْ المشكلات اتجاهاَ واحداَ بل كانت متعددة الاتجاهات،وكانت مستوياتها تتطلب تغييراَ من الحلول عبر القوة الى الحلول بالسلام، وكان أحد المستويات الحساسة جداَ هو اعادة ترتيب البيت الكوردي و النضال المشترك ضد الدكتاتورية،لذا كانت اولى خطوات سيادته هي ترتيب البيت الكورردي و انهاء الخلافات و النزاعات داخل الحركة التحررية الكوردستانية و توسيع اطار التحالف بين عموم القوى الكوردستانية و قوى المعارضة العراقية. وذلك لخلق اجواء نضال مشتركة بهدف تغيير تفكير المكون العربي العراقي حول حل الخلافات، وكذلك في الانتفاضة الربيعية لشعب كوردستان عام 1991 و بهدف توجيه رسالة اخرى الى الشعب العربي في العراق،أمر السيد مسعود بارزاني الذي كان رئيسأ للجبهة الكوردستانية آنذاك، بأخلاء سبيل كافة جنود الجيش العراقي الذين وقعوا أسرى في أيدي قوات البيشمركة و الجماهير المنتفضة،وهذا يعني أنّ شعب كوردستان لايعتبر هؤلاء الجنود متهمين و الذين ساقهم النظام السابق الى كوردستان لمقاتلة الكورد،ثم تستمر مساعي الرئيس البارزاني لتهيئة ارضية التفاهم المشتركة و حل المشكلات الى مابعد سقوط النظام السابق.
3- في عام 2002 وقبل بدء عملية تحرير العراق واسقاط النظام السابق بأشهر فقط،اعلن الرئيس البارزاني لكل الاطراف السياسية العراقية بصراحة،إنّ الطريق الوحيد لأعادة بناء العراق الجديد هو العراق الذي يمكن أنْ تعيش فيه كل المكونات اختيارياً وفتح صفحة جديدة و التفكير في الخطوات المستقبلية وليس التفكير في الانتقام على الافعال السابقة ،رسالة البارزاني هذه الى القوات العراقية هي دليل على إثبات الارادة الخيرة و توجهه لتغيير اتجاه المشكلات من اللجوء للقوة الى السلام وقبول الآخر،ولكن رسالة الرئيس البارزاني لم تلق آذاناَ صاغية بعد سقوط النظام العراقي و نتائجها هي النتائج التي نراها بعد ثماني سنوات.
ارادة البارزاني للسلام و التعايش
كنّا قد أشرنا في مقدمة هذا التقرير الى نقطة مهمة وهي أنّ ارادة الخير لأدارة القوانين الأخلاقية وتحقيق السعادة للمجتمع و التعايش السلمي بين الشعوب و الأمم المختلفة،لن تزيد و لاتنقص معانيها و قيمها بالأنتصار،ولا بحاجة الى مدحها أو تفسيرها للغير،وهنا اذ نتحدث عن الارادة السلمية للبارزاني كأرادة خير للسلام و السعادة بين المجتمع الكوردستاني و السلام و التعايش مع الشعوب و الامم المختلفة المجاورة،نقصد بذلك الاشارة الى أنه مهما نستمر في الحروب و العنف ورفض الآخر ،فبالنتيجة على الجميع العودة الى الارادة التي يقصدبها البارزاني بناء التعاون و التنسيق بين تلك العناصر التي تحقق السلام بدلاً من العنف، وفي هذا الاطار يمكن أنْ نقوم بتصنيف مساعي الرئيس البارزاني على هذه المستويات:
1- على المستوى الداخلي في كوردستان:
جميع مساعي السيد رئيس اقليم كوردستان تصب في منع اندلاع القتال الكوردي- الكوردي بين عموم القوى السياسية الكوردستانية مرة اخرى وحل الخلافات بين الاطراف الكوردستانية بالطرق السلمية و بالحوار و المباحثات، وقد توفرت ارضية وطنية مهمة لاستمرار الحوارات في ضوء مصالح شعب كوردستان و انعكس التفاهم بين تلك الاطراف،و كانت نتائج مساعي سيادته على المستوى المحلي في اقليم كوردستان هي بناء ارضية بين الاحزاب المعارضة وبين الطرفين الحزب الديمقراطي الكوردستاني و الاتحاد الوطني الكوردستاني كحزبين حاكمين من اجل بدء الحوار وحل عموم مشكلات الاقليم عبر الحوار و التفاهم، وأنْ يتعاون الكل مع مساعي رئاسة اقليم كوردستان بأتجاه الاصلاحات و بناء الدولة المؤسساتية.
2- على مستوى العراق و العلاقات بين الاقليم و بغداد:
من المعلوم لدى العالم أنّ حكومة العراق الحالية و رئاستي الجمهورية و مجلس النواب تم تشكيلها في اطار مبادرة سيادته وأساس المبادرة آلية التقارب و ربط العناصر التي قادت مشكلات العراق نحو اتجاه الحلول و بناء السلام و تطبيق الدستور العراقي و عموم الاطراف السياسية التي وقعتْ على اتفاقية اربيل في ضوء هذه المبادرة وصلت الى القناعة بأنه لايمكن تحقيق السلام الاّ بموجب نقاط هذه المبادرة كما لايمكن الحفاظ على وحدة العراق بدونها ايضاَ،و بعد مرور عام واحد على تلك المبادرة و الاستعداد و الارادة الخيرة من قبل رئيس الوزراء العراقي لتنفيذ الاتفاقية ليست بالمستوى المطلوب، لذا نجد بأننا قد عدنا الى المربع الأول والمخاطر الآن تحدق بوحدة العراق اكثر من أي وقت مضى، ولكن أهمية واهتمام المبادرة بقيت كما هي ولايمكن لأي شخص أو جهة ايجاد بديل لها ،لآنها ثمرة الارادة الخيرة ولايوجد بديل لها ومهما يتم طرح برامج اخرى من اجل مستقبل العراق حتى لو كان هدفها السلام و التعايش الاختياري و التآخي بين المكونات العراقية فأنها لاتخرج عن اطار تلك المبادرة.
3- على مستوى الاقليمي و العلاقات السلمية للأقليم مع الدول الجوار:
ما انعكس خلال الجولة الموسعة و الاخيرة للسيد رئيس اقليم كوردستان الى كل من تركيا و ايران وعدة دول الاوروبية،ينم عن توجهات و تصورات سيادته ازاء حل المشكلات و تغيير اتجاهها من ممارسة القوة الى السلام و بناء نظام السلام على أساس المنطقة و العلاقات بين شعوبها،تتجسد الرسالة الصريحة للرئيس البارزاني في النقاط الاتية:
أ- بما أننا لانستطيع تغيير الجغرافيا، لذا فأنها فرضت على الكورد و الشعوب المجاورة العيش و الجيرة معاً ، ويتطلب وجود التكيّف و الاحترام المتبادل وذلك من اجل المحافظة على المصالح المشتركة و العيش بسلام.
ب – رسالة البارزاني هي الوحيدة في طرح الحقيقة و كخريطة الطريق لبناء السلام على مستوى المنطقة،لذا فإنها جزء من مشهد السلام الذي يجب أنْ تشارك الاطراف الاخرى في استكماله و الذي يعكس صورة السلام على مستوى المنطقة،اذنْ نقطة البداية و الاكثر اهمية من اجل أنْ تحقق رسالة البارزاني السلام هي وصول الجميع الى القناعة بأنه لايمكن حل أي مشكلة عبر القتال والحروب،سواء كانت تلك الاطراف الدول الجارة أو القوى الكوردستانية التي لجأت الى السلاح في الوقت الحاضر.
ج- رسالة البارزاني ليست تدخلاَ في شؤون الدول الجوار كما أنها ليست التفكير نيابة عن الكورد في الاجزاء الاخرى،بل أنها تتضمن ابعاد الحرب عن اقليم كوردستان على المستوى الاقليمي و الدول الجوار،وكما أشار الرئيس البارزاني بكل صراحة و لمرات عديدة بأننا لانكون طرفاً في الحرب الدائرة الآن بين الاطراف الكوردية و الدول الجوار،ولكننا مستعدون دائماَ في لعب الدور المؤثر في الحل السلمي للمشكلات بالاسلوب الذي يقبل به الكورد في تلك الاجزاء دون الاطراف الاخرى.
الصورة التي تتراءى في ارادة البارزاني للسلام
قدم الرئيس البارزاني في الاول من اكتوبر عام 2010 كلمة في مؤتمر التحالف الديمقراطي بروما اوضح فيها بأنه سمع مراراً أنّ لاوجود لقيم الحقوق العالمية للأنسان في المجتمعات التي يوجد فيها التوزيع الثقافي و الديني و العرقي العميق،ويستشهد دائماً بالعراق كنموذج لهذا التوزيع حيث لايمكن فيه تحقيق انسجام بين الاختلافات العرقية و الدينية و الثقافية،وخاطب الرئيس البارزاني دول التحالف الديمقراطي قائلاً: مع انني رأيت دمار قرى بلادي وكذلك القتل الجماعي للنساء و الاطفال في كوردستان في المقابر الجماعية ورغم ذلك أود أن أقول لكم ليس من الصحيح القول بعدم امكانية بناء التوفيق بين المختلفين،لأننا مشتركون في مجموعة من القيم الأنسانية ونرغب العيش بأمان،لو تأملنا في مغزى هذه الكلمات للبارزاني، لوجدنا بأن سيادته يريد أن يقول للعالم، يمكن التوفيق بين المختلفين في حال الربط بين النقاط المشتركة للقيم الانسانية ونقر بها وعدم سلب الحقوق من أي شخص بغض النظر عن اختلاف الثقافة و الدين و القومية، اذن ما نتعلمه من ارادة البارزاني للسلام و التعايش هو ضرورة البحث في النقاط المشتركة التي تخلق السعادة و الأمان لمجتمعنا و للمجتمعات الأخرى،هذه الرسالة رغم أنها ليست سهلة، الاّ أنه لايوجد هناك طريق آخر للسلام و سعادة الانسانية.
Top