• Tuesday, 21 May 2024
logo

خطاب الامة في عملية النهضة

خطاب الامة في عملية النهضة
ترجمة/ بهاءالدين جلال


((الخطاب بأعتباره محرّراً أو منطوقاً،فهو بناء للافكار و يحمل في ثناياه توجهات،أو أنّ هذه التوجهات تمت صياغتها في بناء ذي معنى و على شكل مقدمات و نتائج،وكما هو شائع في كل البناءات،ينبغي ايضاً استخدام ادوات المفاهيم كما من المفروض أن تكون لتلك المفاهيم علاقات محددة،لكي تترسخ الادوات التي استخدمت في بنائها وتقويّه،ولهذا السبب اذا كان الخطاب من هذا المنظور يعبّر عن افكار صاحبه فإنّه في الوقت ذاته يعكس مستوى ادائه و قدرته ايضاً في بنائه ،وبمعنى آخر بما أنّ كل بناء خاضع لمجموعة اسس،و بما أنّ الخطاب هو البناء لذا عليه ايضاً أنْ يكون خاضعاَ لعدة اسس لكي يؤدي مهامه،و في هذه الحالة يعكس الخطاب مستوى قدرة صاحبه في تقدير تلك الاسس،أي بيان مستوى قدرة صاحبه في مستوى تقديم تلك التوجهات الى الناس و تأثيراتها عليهم،ومهمته التوعية و الاقناع،لذا يُنظر الى الخطاب بمنظورين:الاول هو تأييد الخطاب بشكل مباشر والمحاولة في تنفيذ ما تم الاستماع اليه بكل أمانة،والثاني هو النظر اليه منذ البداية كتأويل و يرغب الناس المشاركة معه بحذر ومع التوجهات التي طرحها صاحب الخطاب،ويسعون الى بناء الخطاب من جديد،بشكل يصبح اكثر توحيداً و يعبّر افضل عن واحد من تلك التوجهات التي اشار اليها الخطاب صراحة،أو ما يُقرأ من الخطاب كله،ولكن القراءة التي نقترحها هي التحديد،اي تحديد النواقص بغية معالجتها،أو ايجاد الحلول لها،وليس بناء الخطاب من جديد)).
(Renaissance) بمعناها اللغوي أي (ولادة جديدة)، ولكن لو ننظر اليها بمعناها المجازي ونقرأ بها واقعنا عندذلك يمكن أن نعتبرها مشروعاً قومياً في المستقبل، والنهضة هي تصورات لاوجود لها في الواقع لحد الآن وهي نتاج الفكر الذي حقق الوعي و تحتضن الصورة المستقبلية للأمة،ولهذا نجد أنّ عملية النهضة تسبق دائماَ عمليتي تقرير المصير أو الثورة(Revolution)،و1ذا تأملنا عملية النهضة في تأريخ اوروبا كعملية لولادة جديدة أو كمشروع لمستقبل أمم أوروبا بعد انتهاء القرون الوسطى،للشعرنا فعلاً أنّ العملية هي عملية لولادة جديدة لأنّ اوروبا في القرون الوسطى كانت شبه ميتة مقارنة بأوروبا مابعد النهضة.كما أنّ أمم أوروبا حدّدتْ مستقبلها كأمم من خلال النهضة،ولهذا فإنّ ضمن هذا التأريخ كانت عملية النهضة في كل الاوقات سابقة للثورة،أو بدأتْ قبل عملية تقرير المصير و الحاسمة،لذا كما هو معلوم أنّ الثورة الفرنسية هي ثمرة النهضة،وليست النهضة ثمرة للثورة الفرنسية،اذن ومع كل الصراحة إنّ خطابات عهد النهضة أنتجتْ الثورة الفرنسية، الثورة التي اصبحتْ فاصلاً تأريخياً بين نظام الحكم القديم و الحديث واتخذتْ خطوات لكي نطّلع من خلال اطار النظام الذي تستطيع الانسانية في ظله حماية الحقوق.
ومن هذا المنطلق اذا كان السؤال هو هل أنّ الثورة الفرنسية استطاعتْ انشاء النظام الذي كان يتصوره الخطاب في عهد النهضة؟ و للأجابة على هذا السؤال نقول الثورة الفرنسية لم تكنْ خالية من النواقص حالها حال الثورات الأخرى،صحيح أنّها لم تتمكنْ من انشاء النظام بالمستوى الذي صوّرته النهضة،الاّ أنّ مباديء الثورة الفرنسية كانت نابعة من البيئة التي وفّرتها النهضة،اذنْ فإنّ هذه الحقيقة تؤكد لنا أنّ تقييم خطاب الامة في مرحلة النهضة،يكون تقييماً معرفياً و ليس فكرياً وينطبق ذلك ايضاً على بيان استقلال امريكا وهو نتاج آخر للنهضة،لأن توماس جيفرسون الذي صاغ البيان كان احداً من رجال عهد النهضة الاورويية،وقد انعكس خطاب النهضة على بيان استقلال امريكا،و البيان هذا لم يتمكنْ ايضاً من بناء نظام في امريكا بحيث يشعر الامريكيون من خلاله بالحرية،وكان جزء من الامريكيين وحتى عقود بعد استقلال بلادهم عبيداً للآخرين،كما أنّ لنكولن قرّر الحرب و انهاء العبودية من اجل ابراز المعنى الحقيقي لبيان استقلال امريكا الذي يدعو الى تحرر الامريكيين،ولكن انهاء العبودية لم يؤد الى انهاء التمييز العنصري،حتى بعد 190 عاماً من الثورة، تمكّن مارتن لوثركينك من انهاء التمييز العنصري، وهذا يعني أنّ بيان استقلال امريكا أو(خطاب استقلال امريكا) طريق صحيح بضرورة وجود هكذا نظام للمجتمع الحر و الذي اشار اليه البيان،وعندما يشير محمد عبد الجابري في كتابه( الخطاب العربي الحديث و المعاصر) الى أنّ الخطاب يعتبر مبنى حاله حال أي مبنى وهو يعبّر عن امكانية صاحب الخطاب و التزامه بالمباديء التي بني عليها الخطاب،وهذا يعني أنّه لايتم التعامل مع الخطاب كعملية النهضة القومية على أساس فكري،بل يُقيّم على أساس معرفي و الخطاب كمشروع للمستقبل يحمل رؤىً ويزيل الفواصل بين صورة الواقع الحالي و بين صور المجتمع المستقبلية،وبين الصورتين الاولى هي صورة الواقع الحالي للمجتمع التي لايرضى بها رئيس أو قائد هذه المرحلة ويرسم من خلال خطابه واقعاً آخر لأمته،ومن المفروض في هذه الحالة عندما يتم توجيه الخطاب الى الأمة من قبل الرئيس أنْ يشارك افراد الأمة و بأساليب مختلفة مع الخطاب و يسعوا الى اتخاذ الخطوات نحو تنفيذ الرؤى التي تنعكس من الخطاب على أرض الواقع ووفق متطلبات العصر و المراحل،وهذا تأكيد على مشاركة الابناء مع خطاب الرئيس أو القائد في مراحل الأمة الحساسة،اذن تصبح من المهمات المباشرة للرئيس أو القائد شرح فحوى المعاني الصريحة أو العامة الواردة في الخطاب الى أبناء أمته و اقناعهم بأنّ الاهداف التي حملها الخطاب سوف يتم تحقيقها بهذه الطريقة،ولكن الشيء المهم الذي يجب الاشارة اليه هنا أو الوقوف عليه هو أنّه ليس من الشرط دائماً أن تكون للأمة التوجهات ذاتها التي يحملها الرئيس أو القائد للوصول الى هدف أو لتمرير مرحلة،الاختلاف الذي ينشأ بين افكار الرئيس او القائد في هذه المرحلة الحساسة وبين تفكير الأبناء و لنفس الهدف،يبني أجواء ديمقراطية ويؤدي الى فتح حوار مباشر بين الرئيس و ابناء الأمة،وبما أنّ الرئيس قد تم انتخابه من قبل الشعب لذا عليه ايصاله الى القناعة وشرح فحوى خطابه عند تقرير المصير أو اتخاذ الخطوات لتنفيذ الخطاب الذي يرسم مستقبل الأمة لذا فإنّ هذا الاسلوب يؤكد لنا أنّ مشاركة أبناء الامة مع خطاب الرئيس أو المحاولة للمشاركة في أهداف الكلمات التي رسمها الخطاب لاتعني أنّ الافراد يخضعون حرفياً الى كلمات الخطاب،بل من الممكن أنْ يقوم الناس بأعادة بناء الخطاب و يسعون الى اختيار الكلمات الواضحة فيه و كذلك معناها العام والتعبير عنها بأسلوب أقوى،كما يمكنهم قراءة الخطاب من منظور نقدي و لتحديد الاوضاع ومقارنة أهداف الخطاب مع امكانية المرحلة في تحقيقها و المشاركة فيه،وعلى الرئيس الذي تعود اليه المرجعية الكبيرة في سلطة الأمة أن يتهيأ للمسائلة و الأجابة أمام أمته حول عموم الكلمات الواردة في خطابه وعلى معناه العام ومن ثم اقناعهم، لأنّ نجاح أي رئيس في خطابات المراحل الحساسة و الحرجة يتحول الى المحطة التي تقوم فيها الأمة بتقليد رئيسها وسام رمز الأمة.
اشكالية خطاب الأمة في المراحل الحساسة و الحرجة
تأريخ الرؤساء و القادة الناجحين في العالم مليء بالأشكالية التي تظهر بينهم وبين الامة في المرحلة الحساسة و الحرجة و المصيرية، لأنهم في هكذا مراحل عليهم صياغة خطاب الامة و محاولة تحقيق أهداف الأمة بأقل تضحيات وبأنجح السبل،ومن هذه الحقيقة فإنّ المفاهيم التي يبني بها الرئيس أو القائد خطابه في هذه المرحلة،ويكون في الوقت ذاته خاضعاً لمبادئه،و المجموع العام للخطاب يبيّن قدرته و امكانيته في فكره المعماري لمجمل البناء،ومن المعلوم أنّ لكل بناء اساليب و مناهج مختلفة، لهذا عندما يحدد الرئيس أحد الاساليب و يبني به خطابه، فمن حق المواطنين أو أبناء الأمة أن يسألوا رئيسهم لماذا تم اختيار هذا الأسلوب دون غيره،هنا نشير الى عدة خطابات:
- لو أشرنا الى خطاب استقلال الهند(مع باكستان و بنغلاديش الحاليتين)الذي صاغه مهاتما غاندي في هذه المرحلة الحساسة و الحرجة على مبدأ اللاعنف لتحرير الهند من أيدي الانكليز، نجد أنه تأريخ استقلال الهند يخبرنا بأنّ عموم مواطني الهند و معهم مواطني باكستان و بنغلاديش،كانوا يتعجبون كيف تمكنت أمة من التحرير من أكبرو أقوى دولة عن طريق خطاب اللاعنف ،لذا سألنا أنفسنا: على ماذا استند قائدهم في اعداد هذا الخطاب؟ و للأجابة عن هذا السؤال قرر مهتما غاندي التجوال في كل مدن و قرى الهند و شرح أهداف خطابه الى كل أفراد شعبه، وعندما مُنع عنه هذا الطريق قرر العمل على اتجاهين،وهما اقناع شعبه وكذلك شعب الدولة المحتلة بأنهاء الأحتلال،والتهديد الخطير الذي واجه غاندي هو صعوبة اقناع الشعب الهندي بنبذ العنف،في حين كان المحتلون يلجأون اليه،و بما أنّ خطاب غاندي كان يشير الى مستقبل الاستقلال بسلام،لذا كان مستعداً للمزيد من التضحيات من اجل اقناع شعبه،ولهذا عندما كان الشعب الهندي يعود الى العنف كان غاندي يصوم و يضرب عن الطعام،وفي بعض المرات يقترب من الموت و عندما كان شعبه يقتنع بأنهاء العنف يقوم غاندي بأنهاء اضرابه عن الطعام،والسؤال هو ايضاً هل أنّ خطاب غاندي تم تنفيذه كاملاً؟وفي الاجابة عن السؤال نقول أنّ خطاب غاندي تضمن هدفين:الاول هو تحرير الهند الذي نجح سلمياً، الثاني هو اعادة بناء الهند على أساس السلام و اللاعنف ولم ينجح بل أصبح هو ضحية الخطاب.
-نموذج آخر حول اشكالية خطاب الأمة، هو خطاب فراكلين روزفلت لكي تصبح امريكا جزءاً من الحرب العالمية الثانية و وضع حد لاخطار و تهديدات النازية و هتلر،هذا النموذج هو عكس نموذج الهند،و تظهر هنا حالتان، الاولى أنّ الشعب الهندي كان مستعداً للتضحية و المواجهة، وغاندي كان يسعى الى افشال هذا الاستعداد و تحريرهم سلمياً، ولكن الثانية هي أنّ الشعب الامريكي كان يرغب العيش بسلام و عدم الانجرار في الحرب،ولكن فراكلين روزفلت كان يسعى الى اعداد شعبه الى الحرب و التضحية،وبما أنّ الكونغرس الامريكي كان يجسد الرأي العام للمواطنين، لذا فلم يكن بأستطاعته السماح لروزفلت بخوض امريكا في الحرب،والسؤال هو عندما شعر الرئيس بمخاطر مستقبل الأمة التي كانت تحدق بالشعب الامريكي من جراء انتصار النازية ،هل بأمكانه الانتظار دون أن يتحرك أو يصدر قراراً؟ الاجابة تكمن في أنّ فراكلين روزفلت الذي كان الوحيد في تأريخ امريكا تسلم سدة الرئاسة لأكثر من مرتين،لايتراجع عن قراره بسهولة،ولهذا قرر اجراء حوار مباشر مع شعبه،ومن دون زيارة عموم الولايات الامريكية، بل عن طريق الاذاعة و الاسلوب الذي سمّاه دردشة الموقد(fireside chat)،ليتمكن من دمج شعور مواطنيه مع مخاطر هذه النيران التي قد تلتهب مستقبل الشعب الامريكي،وبهذا تمكّن من أنْ يقرر جعل امريكا جزءاً من الحرب العالمية الثانية و انهاء الحرب لصالح الحلفاء و زوال النازية،و اصبحت أمريكا الدولة التي تقود الآن كل العالم.
إنّ الهدف من الاشارة بهذين النموذجين هو الوقوف على مشاركة الشعب مع خطاب الامة في المراحل الحساسة و المصيرية،والتي يصبح فيها الرئيس أو قائد الأمة معبّراً عنه،و الخطاب ذاته يحدّد مستقبل الأمة
تصوّر مستقبل الأمة في خطاب البارزاني
السيد مسعود بارزاني الرئيس المنتخب لشعب كوردستان،نجد في خطاباته تصوراً يدعو فيه الى أنْ تكون لشعب كوردستان ايضاً الحقوق حاله حال الشعوب الاخرى على الأرض،وما يحلو للشعوب الاخرى لايكون محرماً و ممنوعاً على الشعب الكوردي،اذن فإنّ تصور شعب كوردستان عند البارزاني هو شعب حر ويجب تقرير مصيره بكل حرية،ولكن ينبغي أنْ لايكون القرار غير مبرمج و لايقدّره العالم ،أو أنّ الأجواء لم تكن مهيأة لتقديره وأنْ لايتعرض مستقبل الأمة الى الخطر،ويمكننا الآن الحديث عن خطاب البارزاني لمستقبل شعب كوردستان عبر نقطتين:
الآولى: هي التصور الذي يظهر من خلال خطاب البارزاني مستقبل الأمة الكوردية و شعب كوردستان،بالشكل الذي يجب أنْ يكون كسائر الشعوب حراً و يعيش في ظل الحرية.
الثانية: هي كيفية توفير الارضية لتلك الحرية مع ايصال العالم و السياسة الدولية و الأقليمية الحالية الى القناعة التي تؤكد أنّ الامة الكوردية و شعب كوردستان لهما الحق ومن حقهما تطبيقه.
واذا ما توقفنا على النقطتين،نجد أنّ التصور الذي يظهر من خطاب البارزاني هو مطلب كل أبناء الآمة ومعهم مسعود بارزاني الذي هو أحد أفرادها في هذه المسألة.لذا فبالنسبة الى النقطة الأولى لايواجهه أي عائق حتى يغرس التصور الذي يقصده في اعماق أبناء الأمة،أما في النقطة الثانية وهي مرحلة الأعداد و تهيئة الأرضية لهذه المرحلة،تواجه سيادته مجموعة من الاشكاليات التي تحتاج ليس فقط الى ايصال شعب كوردستان الى القناعة،بل عليه ايصال عموم الاحزاب و الاطراف الكوردستانية و العراقية و الشعوب الاخرى الى القناعة بأنّ طريق الخطاب الذي خطط له يصب في مصلحة شعب كوردستان و شعوب العراق و السلام و الاستقرار الاقليمي و الدولي، لذا نجد أن مهمة الرئيس البارزاني في النقطة الثانية سوف تصعب أكثر،كما أشار كينس بولاك في معهد بروكينكيزيش الشهير ( إنّ السيد مسعود بارزاني بالنسبة للشرق الاوسط كمدينة باريس بالنسبة الى فرنسا و كل الطرق تؤدي الى سيادته) لذا يجب أنْ تكون لدى مسعود بارزاني الاجابة الى عموم الجهات ذات العلاقة التي تخص اهداف خطابه لمرحلة الامة الحالية و تواجهه شخصياً.
برنامج البارزاني الى مستقبل الأمة
السيد مسعود بارزاني الرئيس الحالي لأقليم كوردستان،يفضل لقب البيشمركة على لقب الرئيس،واذا قرأنا خطاب الأمة على ضوء قول سيادته هذا،نجد انه يعني أنه التحق بصفوف البيشمركة من اجل شعار( كوردستان أم الفناء)ولايزال مستمراً لآكثر من نصف قرن،ولكن برنامج هذا البيشمركة لهذا الهدف جعل نقطتين مهمتين أساسا له،الاولى وحدة البيت الكوردستاني و الاحزاب و الاطراف الكوردستانية،الثانية هي العمل المشترك و النضال السلمي لتحقيق الهدف.
اذن لو عملنا وفق هاتين النقطتين كمفهومين في بناء خطاب البارزاني،نشعر أنّ مهمة البارزاني في هذه المرحلة ليست سهلة و يجب ادارة البلاد وفق التصور الوارد في الخطاب،والتصور هذا، هو تصور أمة و شعب حر،الذي تعيش كل مكوناته على هذه الارض بشكل اختياري و بروح ملؤها التسامح و قبول الآخر وقد منحت القوى السياسية و بأختلاف أفكارها فضاء التعددية و التنوع الفكري للمجتمع زينة و روعة، ولكن في هذه المرحلة على الرئيس البارزاني أنْ ينقل الصرح الذي بناه في اطار الادارة الحالية لأقليم كوردستان على ثلاثة مستويات الى ثلاثة مستويات أخرى وهي:
1-يجب أنْ يقوم الرئيس البارزاني، مثلما بادر لجمع القوى و الاطراف السياسية العراقية و الكوردستانية على الاتفاق في اربيل و تشكيل الحكومة، يقوم ببناء التزام اخلاقي على عموم الاطراف المشاركة لتنفيذ فحوى اتفاقية اربيل التي هي ثمرة مبادرة سيادته،لينعكس بين عموم مكونات الشعب العراقي التسامح و التعايش كما في أقليم كوردستان، وذلك من أجل مواجهة المخاطر التي قد تبرز من جراء انسحاب القوات الامريكية من العراق ،وهي مخاطر اندلاع اقتتال داخلي.
2- التعامل مع أهالي المناطق المقتطعة كجزء من اقليم كوردستان و محاولة تهيئة الاجواء بغيىة عودة تلك المناطق الى الأقليم سلمياً،هذه الخطوة التي تحتاج الى طمأنينة و ضمان للمواطنين غير الكورد في تلك المناطق، فقد طمأنهم الرئيس البارزاني جميعاً لدى زيارته الى كركوك،بأنْ لاتحدث أي مشكلة حول مسألة تقاسم السلطات ويجب أنْ تكون ادارة كركوك نموذجاً للتعايش بين مختلف المكونات القومية في المدينة،و بالنسبة لهوية المدينة أكد الرئيس البارزاني أنّ هوية كركوك يحددها مواطنوها الاصليين وينبغي حسم المسألة في اطار التطبيع و التعداد و الاستفتاء مع احترام نتائج الاستفتاء اياً كان.
3- المستوى الثالث لمساعي الرئيس البارزاني هو نقل مبدأ التعايش و التسامح الى الدول التي يعيش فيها جزء من الكورد،وهذه تعدّ محاولة من اجل التفاهم و ايجاد مخرج حضاري لحل المشكلات بين الشعوب الاخرى و الشعب الكوردي،هذه الجهود التي تم اتخاذ الخطوات اللازمة بشانها على الصعيدين السياسي و الدبلوماسي في العلاقات بين اقليم كوردستان و الحكومتين الايرانية و التركية و كانت لها نتائج ايجابية،يجب نقلها الى المستوى الشعبي و العلاقات المباشرة بين الشعوب الكوردية والتركية و الفارسية و بدء حوار حضاري بين تلك الشعوب لتتمكن من العيش في اطار دولة واحدة وبدلاً من استمرار الحروب و الاقتتال الحالية تبدأ اللقاءات و الحوارات بينها و تنتهي الحروب واراقة الدماء.
كيف تتعاون افراد الامة مع رئيسهم
مهما يحمل خطاب الرئيس من تصورات جميلة لمستقبل الامة،فبالنتيجة على الافراد أنْ تجعل من تلك التصورات الامر الواقع للمستقبل،و لايمكن لهذا الخطاب أنْ يُترجم فعلياً من اجل تنفيذ المهمات الموكلة اليه في تلك المرحلة الاّ اذا اصبحت افراد الامة بأختلاف آرائه السياسية و الدينية و القومية جزءاً من الخطاب و تشارك فيه بأساليب مختلفة، ومن هذا المنطلق وبعد أنْ بدا الرئيس البارزاني منذ 11 أيلول بتقديم خطابه و شرحه بشكل مباشر الى شعبه في كل المدن الكوردستانية فقد انطلق برنامج الرئيس من زاخو حتى خانقين و كركوك،وكل الخطابات كانت ضمن اطار واحد تعكس تصورا و ومعنى واحد، وهذا يعني ضرورة أنّ يجري العمل على فحوى الخطاب و المشاركة في كيفية تنفيذه اسلوباً متواصلاً ويهيّأ الارضية للأستعداد من اجل اتخاذ قرار مصيري و حاسم.
ويلهام كامسون ل( كولان) :
الثقافة التي تدعم الخطاب السياسي يجب أنْ تكون قادرة على تشخيص المشكلات
البروفسور ويليام كامسون استاذ علم الاجتماع في جامعة بوستن و المتخصص في الخطاب السياسي و مؤلف كتاب الكلام في السياسة وكذلك الرئيس السابق للمنظمات الاجتماعية الأمريكية،تحدث عن اهمية الخطاب السياسي كخطاب الامة في المرحلة الأنتقالية ل(كولان) وعبّر عن آرائه قائلاً: ((بما أنّ جزء من عملية بناء الامة هو تبنّي افراد المجتمع لهويتهم العامة ،لذا تعتبر العملية صعبة جداً و بحاجة الى التوفيق بينها وبين مجموعة امور اخرى،وفي هذه المرحلة يصبح دور الرئيس مهماً جداً ليتمكن من انجاح عملية التبني هذه لدى المواطنين ، وفي هذا الاطار أشير في كتابي الى ضرورة أنْ تعكس مواضيع الخطاب السياسي الجوانب الثقافية و تكون منسجمة مع الثقافة،و من المحتمل معاداته ايضاً،و النقطة المهمة هي انّ الثقافة التي يستند عليها الخطاب يجب أن تكون قادرة على حل المشكلات و بشتى الوسائل،و الأهم من ذلك هو قيام الثقافة ببناء الثقة لنفسها،ويتحقق ذلك بوسائل المصداقية و الشفافية كما أن شكل القرار لأهداف الخطاب يختلف في المجتمعات الديمقراطية،صحيح أنّ الرئيس في أي مجتمع يصدر القرارات مع ممستشاريه ، ولكن المستشار السياسي للرئيس في المجتمع الديمقراطي يأخذ هذه الحالة بنظر الاعتبار و بأنّ أمامه الانتخابات القادمة، ولكن الزمن و الظروف تحدّد أهمية مثل هذه الاعتبارات السياسية، وذلك لآن المقترعين في معظم الدول ينسون امور عدة.
كيفن أور ل(كولان): عندما يضطر الرئيس لأصدار قرارات صعبة، عليه محاولة اقناع شعبه
البروفسور كيفن أور استاذ قطاع الادارة العامة في جامعةهول في بريطانيا و مدير مركز منظمات المستقبل (Centre for Organisational Futures)،وللحديث حول الخطاب السياسي في المجتمعات التي تمر بالمرحلة الانتقالية وتبدأ عملية بناء االأمة الى جانب عملية بناء الديمقراطية ، البروفسور كيفن أور في تصريح خاص له الى (كولان) قال: (( أنا متفق مع الرأي القائل أنّ الخطاب السياسي مهم جداً،خاصة اذا كان موجهاً من رئيس البلاد،ومهم جداً لأنّه يوفر اطار من القيم للديمقراطية التي نشأت حديثاً،كما ينظّم البلاد و العلاقات السياسيةبحيث يؤمّن الدوافع لبرامج التغيير،وكذلك يحلّل معنى التغيير و ونهج البلاد،وينجح في تأمين التفاؤل وهو مهم جداً في نقطة التحول لتأريخ البلاد.كما أنّ خطاب هذه المرحلة يعتبر تحديّاً أمام الرؤساء،لانّ بعض الامور يكون لها تأثير على القيادة وتجعلهم أنْ يصدروا قرارات لا تتقبلها الجماهير بسهولة،ولكن عندما يؤمن القائد بأنّ القرار سيصب على مدى البعيد في مصلحة البلاد،وهذا يفرض أنّ يضطر الرئيس في بعض الحالات الى انْ يتجرأ و يصدر قرارات صعبة ،وفي سياق المشكلات السياسية و الاقتصادية هناك نماذج عدة حيث أصدر القادة في اوروبا و امريكا الشمالية و استراليا قرارات متعلقة بأقتصاد بلدانهم و في الوقت ذاته لم تكن مقبولة لدى غالبية الجماهير،ولكن القادة اصدروا قراراتهم على أساس أنها في مصلحة البلاد،هذه أزمة قديمة تواجه القادة السياسيين و احيانأ يتفهم القائد مطاليب و حاجات الجماهير ويعمل من اجل تنفيذها،وفي كل الاحوال على القائد أنْ يتقدم المواطنين بخطوات وعليه السعي لاستحصال دعمهم،وعلى سبيل المثال احياناً تكون مهمة القائد اقناع الجماهبر، ليس فقط انصاره و المصوّتين له بل عموم المواطنين،وشرح القرارات التي اصدرها في الوقت الحاضر والتي قد تكون مؤذية وصعبة و قاسية،ولكن على المدى البعيد سوف تصب في مصلحة البلاد،وهذا يُعيد بنا مرة أخرى الى بداية اللقاء والذي أشرنا فيه الى امكانية و قدرة القائد في اطرنة معاني الاحداث وتحليل اهداف القرارات بحيث يمكّنه من فهم المواطنين،وعلى سبيل المثال من المفروض أن يقوم القائد بأرسال رسالات الى الجماهير مثل((نعم، أنا أعلم بأنّ هذا قرار صعب وهو نهج قاس، ولكن على المدى البعيد تصب في مصلحة البلاد)).
جيمس كلمب ل( كولان) :خطاب القائد الوطني في مرحلة بناء الأمةخطوة لبناء الهوية الوطنية
البروفسورجيمس كلمب استاذ العلاقات العامة و الجماهيرية في جامعة ميريلاند و المتخصص في تأثير الخطاب في الرأي العام ،وللحديث عن خطاب الأمة في مرحلة بناء الامة اتصلنا به وعبّر عن آرائه عن جوانب هذه المسألة قائلاً: ((احدى الخطوات التي من الضروري اتخاذها في مرحلة عملية بناء الأمة،هي عملية تحقيق الهوية الوطنية،حتى يشعر المواطنون أو أفراد المجتمع أنهم اصحاب أرض و هوية مشتركة،هذه الخطوة سوف تكون لها تأثيرات اكبر لو انعكست في اطار خطاب لقائد وطني،ووجود الشفافية يعتبر مهماً في ذلك الخطاب سيما اذا كان المجتمع ديمقراطياً وفيه المعارضة،وفي هذه الحالة فإنّ الشفافية في خطاب الرئيس ستكون سببا في أنْ يفهم الناس أهداف الخطاب أكثر و يعتمدون عليه، وهذا الاعتماد يعد مهماً جداً بالنسبة للرئيس في المجتمع الديمقراطي،لأن أمام الرئيس المننتخب انتخابات أخرى وبحاجة الى اعادة انتخابه،الجانب الآخر أي الجانب المعقد وهو أنّ عملية بناء الأمة يعني عملية نجاحها، وهي بحاجة الى تكاتف عموم المواطنين وذلك عن طريق التفاهم و وجود اهداف مشتركة و السير في ذات الاتجاه،والبيئة هذه تتوفر عندما يفهم المواطنون الاسس التي تمتْ بها صياغة الخطاب و حُدّدتْ فيها اهدافه،وهذا يعني أنّ القرارات التي تصدر في المجتمعات الديمقراطية يجب أنْ تكون ضمن اطار يُحمع معاً الرأي و التفاهم المشترك،في هذه المرحلة قام غاندي بتحليل وحدة الأرض و الهوية القومية للهند،صحبح أنّ العملية الديمقراطية تخلق الاتفاق على الحلول،ولكن بعض المسائل تظهر من خلال عملية بناء الأمة،وتثير اسئلة مهمة، مثلاً:كيف نتمكن من تحقيق هذا الهدف؟هل أن مؤسسات المجتمع التي تصدر مثل هذه القرارات يتوفر لها الدعم؟هل أن القرارات تُبنى عليها أراء و تفاهم مشترك داخل الرأي العام؟ من المفروض أنْ يجيب الرئيس عن هذه الأسئلة في هذه المرحلة،وانّه يستطيع ذلك من خلال طريقتين، الاولى:عليه قبل كل شيء تهيئة الاجواء لتحديد اهداف و قيم مشتركة في خطابه،والثانية:عندما تحتاج أهداف الخطاب الى اتخاذ قرارات،عليه العمل لايصال الناس الى القناعة وذلك لأخذ أطر القيم و الاهداف المشتركة بنظر الاعتبار عند تنفيذ القرار،واذا ما نجح في هاتين النقطتين،حينئذٍ يتولد شعور بأنّ ما عملوه هو نتيجة للأجماع الديمقراطي في البلاد،وبهذا الشكل يتم الدعم الكامل للخطاب.
Top