• Monday, 17 June 2024
logo

بناء دولة القانون داخل الدولة، سنغافورة نموذجاً

بناء دولة القانون داخل الدولة، سنغافورة نموذجاً
ترجمة/ بهاءالدين جلال



(هناك كتب تعلمك كيف تبني بيتاً،كيف تصلّح ماكنة أو جهازاً،كيف تؤلّف كتاباً،ولكني لم أر أبداً كتاباً حول كيفية بناء دولة خسرتْ دورها المحوري الاقتصادي كمركز للاستيراد و التصدير،لم أكنْ أتصور في عام 1965 وفي الثانية و الاربعين من العمر أن اصبح رئيساً لدولة سنغافورة المستقلة،في بداية الاستقلال واجهتنا معوقات ومشكلات كثيرة،كانت فرصة البقاء امامنا شبه مستحيلة،لم تكن سنغافورة دولة اعتيادية، بل كانت دولة بُنيتْ على اطلال الحرب،تُركتْ لنا جزيرة دون مساحات من الاراضي الداخلية،كالجسد بلا قلب،في الفترة الاخيرة كانت الصحف الاجنبية تنشر أنباء مابعد الاستقلال وتشير الى مصير مجهول،الشيء الذي أقلقني جداً وسبّب لي الكآبة، هو أنّ أحد كتّاب البريطانيين قارن انسحاب القوات البريطانية من المستعمرات بتفكك و انهيار الامبراطورية الرومانية،ولكن بعد 35 عاماً ، اكتب قصة انتصار سنغافورة من العالم الثالث الى الاول-...)


لي كوان يو
رئيس سنغافورة السابق
اذا كانت مقدمة هذا التقريرهي بحد ذاتها سؤال عن عنوانه هو: (لماذا سنغافورة كنموذج لبناء دولة القانون داخل الدولة؟ فمن الممكن أن يكون افضل الجواب هو: مع أنّ عموم دول العالم تنظر الى تجارب دول شرق آسيا بأعجاب ومن بينها كوريا الجنوبية و اليابان و و تايوان و الى حدما هونك كونك،ولكن تجربة بناء دولة سنغافورة تختلف ، وبأمكاننا القول أنّ من بين التجارب الناجحة في شرق آسيا فإنّ تجربة سنغافورة تأتي في المقدمة بل في الطليعة برمتها،واذا كان السؤال الاخر هو:هل أنّ تجربة سنغافورة هي نموذج ديمقراطي في دول العالم الثالث؟فالجواب كلاّ،بل هي تجربة بناء دولة القانون،ولكنها دولة ليست تقليداً لنموذج بناء دولة ليبرالية غربية،وإنما هي دولة تعبّرعن ارادة الشعب السنغافوري ورئيسها لي كوان يو،هنري كيسنجر الذي كتب مقدمة كتاب( سنغافورة من العالم الثالث الى الاول)،يتحدث في صفحة من الكتاب عن نموذج بناء دولة سنغافورة على يد لي كوان يو ويقول: ( لم يطلب" لي كوان يو" منّا أنْ نغيّراسلوبنا"الغربي"، بل ابتعد عن فرض هذا الاسوب على مجتمعه الذي يختلف عن المجتمعات الغربية من حيث التاريخ و المتطلبات)، وهذا يعني أنّ لي كوان يو إتّخذ من واقع سنغافورة و بعد اعلان الدولة خطوات نحو بناء دولة القانون،أمّا السؤال الآخر هو:هل أنّ الهدف من هذا التقرير هو تقليد اقليم كوردستان لتجربة سنغافورة؟في جواب هذا السؤال نقول أنّ لي كوان يو عندما زار المملكة العربية السعودية عام 2008 والقى كلمة في منتدى المسابقة العالمي أجاب عن هذ السؤال قائلاً: لوكان هو مواطناً سعودياً لكان يبني هذا البلد باسلوب آخر،وقال لي كوان يو في عام 2008: (( لو كانت ولادتي في السعودية،لكنت سألتُ نفسي ،ماهو الشيء الذي يزيد اهتمام بلادي بالنسبة لدول العالم؟وكان جوابي بدون شك هو،الذي يزيد جمال بلادي ليس الجمل و الصحراء،بل البترول،هذا المصدر النادر،ويلي ذلك سؤال آخر،كيف نتمكن من التوفيق بين قيمة البترول مع ندرته في المستقبل؟واقصد بذلك الاستفادة من البترول،ليس فقط في استخدامه مصدراً للطاقة،بل يمكن استخدامه في الصناعات الاخرى التي تعتمد على النفط كصناعة البلاستك و النقل والصناعات الاخرى،لذا اقترح على الشبيبة البدء بالصناعات التي تفتح الفرص أمام المواطنين للاستثمار فيها،ودون شك من المفروض ارسالكم الى الدول المتقدمة ،وبعدعودتكم منها تقومون ببناء الصناعات و المصارف الاسلامية الجديدة في بلادكم،المهم هو أنْ تتعلموا كيف تستثمرون احتياطي النفط و تديرون مواردكم للاستفادة الكبيرة منها،انتم كسعوديين لن يعيقكم شيء لتطوير الدراسة من الدينية الى العلمية،وهذا ينقلكم الى مرحلة التنميةالاكثر تقدماً، فبالنسبة لكم كان العالم القديم عبارة عن الجمال والمخيمات،ولكن الآن أمامكم طرق مختلفة لتطوير أنماط حياتكم،الفرصة موالية أمامكم للسؤال حول كيفية تطوير اقتصادكم،وذلك من أجل أن تعيشوا حياة سعيدة بعد انقضاء زمن النفط،لقد تعلمنا من القول الصيني المأثور: حصاد القمح بحاجة الى سنة،و10 سنوات لنضوج شجرة،و100سنة لاعداد انسان،نحن عملنا من أجل بناء مجتمع آمن ومستقر،شدّدنا على الثقافة و الفن، تمكننا من اعداد اشخاص بأمكانهم تحديد مواقعهم و مهماتهم ومؤمنين بأنّ الحياة تستحق منا ومن اجيالنا القادمة الجهود و الكفاح،و إنّ 98% من الناس يلتحقون بالمدارس من اجل الالتحاق بالقطاع الخاص و العمل فيه بعد الانتهاء من الدراسة،يجب أنْ يهيئ لهم نظام التعليم هذه الفرصة،وعلى الدولة ايضاً انْ تشجع الافراد الذين يرغبون الاستثمار، وعلى سبيل المثال، تمكنّا في احدى المراحل من اعداد مهندسين لكي نلتحق بالمسيرة الصناعية،ولكن هناك أخرين يرغبون في الادارة و التقنية،لأن هناك فرصاً للتقدم ،سر نظامنا الدراسي يرتكز على اساس:لاتكبت فضولية الاطفال، ولا تكمم افواههم،امنحهم الحرية للتعبير عن أنفسسهم)).

لونظرنا الى لي كوان يو لوجدنا أنه كيف يفكّر من خلال واقع السعودية و الامكانيات الطبيعية و البشرية في بناء دولة القانون و التنمية،وما أراد أن يبلّغ به السعوديين من خلال هذا المنتدى لم يكن ذات الاسلوب أو نموذجاً مستنسخاً من التجربة السنغافورية،بل كان اتخاذ خطوات على أساس أنّ الانسان يٌعتبر اكبر رأسمال في المجتمع و عليه انجاز اكبر استثمار فيه،ومن اجل تحقيق اكبرقدر ممكن من النمو في التنمية البشرية، و في هذا الاطار فإنّ لي كوان يو الذي اطلق على سنغافورة( جزيرة لم نكن أصحابها،جسد لم يكن له قلب)في عام 1965،كان يبحث عن كيفية بناء دولة في البلد الذي لم يكن يمتلك أية مقومات دولية قوية، يقول لى كوان يو : (( لم اطّلع على كتاب يعلمني كيف تٌبني الدولة،عموم سكانها من الصينيين المهجّرين خسرت ْ دورها الاقتصادي)).

وعندما يأس من أنّه ليس هناك أي مصدر معرفي يساعده في هذه المهمة الصعبة،بدأ بنفسه العمل على إنتاج المعرفة كما يعرّفها : " المعرفة مقدسة،الذي تعلّمناه هو أنّ كل طفلٍ مثاليٌ في صورته،لذا يتوجب علينا ضمان الحرية له بحيث يستطيع اختيار خارطة حياته،خصصنا للمبدعين أماكن خاصة لأننا بحاجة الى كل افكار الابداع الفني و العلمي،كما علينا توفير التعددية للمواطنين ولرغباتهم)،وهذا يعني أنّ لي كوان يو يقول لنا :عليكم التفكير من خلال واقع و امكانيات بلادكم لانتاج المعرفة الضرورية لبناء دولة القانون،هذا التفكير علّم لى كوان يو أنْ لايُقدم على الدمج بين امتيازات و خصوصيات سنغافورة و بين التجارب الناجحة في شرق آسيا و حتى التجارب الغربية، و عندما يتحدث لي كوان يو عن هونك كونك يشير الى أنه لم يستطيع تكرار تجربة تلك البلاد في سنغافورة، و يشير الى أنه لم يتمكن ايضاً من قياس اساليب الدول الاسكندنافية وتطبيق الانظمة الاشتراكية،خوفاً من تحوّل بلاده الى دار للعجزة،وكما يقول لي كوان يو: ((كنّا نؤمن بالاشتراكية، ونؤمن ايضاَ بأنه من حق الجميع الحصول على حصصهم من موارد البلاد بالتساوي،ولكن لاحظنا فيما بعد أنّ الاهتمام بالذات و تشجيع الافراد مسألة ضرورية وحضارية لتحقيق اقتصادٍ منتج،كما تبين لنا أننا لو تركنا السوق فقط لحرية السوق و تقييم أداء وتحديد الموارد فأنها تؤدي الى تغيير تكويننا الاجتماعي،نتركه الى عدد قليل الذين يحصلون على ارباح عالية،وعدد آخر على ارباح وسطى،وعدد كبيرجداَ من الناس يتعرضون الى الخسارة، وهذا سوف يصبح عاملاً نتيجة شعور المجتمع بأنعدام العدالة،ويؤدي بالتالي الى خلق نوع من القلق وعدم الارتياح لدى افراد المجتمع.ولهذا كان التفكير الشخصي بالدرجة الاولى( كرئيس دولة)بهذا الشكل،أن يُمنح كل مواطن جزء من الوطن ومستقبل البلاد،كنت ارغب في تحقيق مجتمع يملك فيه كل فرد وحدة سكنية،وعلى هذا الاساس بذلنا الجهود من أجل تحقيق نوع من التوازن و التكافؤ من خلال اعاد توزيع الموارد الوطنية،ولهذا قمنا بتأمين الدعم الوطني للقطاع التربوي و الاسكان و الصحة العامّة)).

تجربة سنغافورة و بناء مؤسسات دولة القانون في اقليم كوردستان
عندما اعلن السيد مسعود بارزاني كرئيس للجبهة الكوردستانية في ربيع عام 1991 امام المواطنين في كويسنجق (نحن كالجبهة الكوردستانية نتطلع الى بناء دولة القانون)كان شعار الجبهة الكوردستانية آنذاك هو الحكم الذاتي لكوردستان وليس الفدرالية،وهذا مثلما حدث عندما كان لي كوان يو في عام 1959-1965 رئيساَ لحكومة سنغافورة كجزء من ماليزيا،كيف اتخذ الخطوات آنذاك وبنفس الشكل اكمل خطواته بعد عام 1965 واستقلال سنغافورة،لذا نجد من هذه المسافة البعيدة ان اقليم كوردستان و سنغافورة تتشابهان الى حد كبير،ولو سألنا مافائدة تجربة سنغافورة بالنسبة لنا في اقليم كوردستان؟هل هدفنا هو استساخ التجربة ذاتها؟بالنسبة لجواب السؤال الاول بأمكاننا القول:نعم يمكن الاستفادة منها، ولكن بالنسبة الى الاستنساخ فأننا لن نستفيد منها فقط وانما نخسر الكثير،كما ينتقد البروفسور لاري دايموند السياسة الامريكية للعراق مابعد صدام حسين ويشير بكل صراحة الى أنّ فشل السياسة الامريكية بعد سقوط النظام البعثي في العراق كان بسبب عزمه على تكرار التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الاولى في العراق،اذن يمكننا هنا الاشارة بصراحة الى أنّ برنامج هذا التقرير ليس مع استنساخ أو تقليد أي تجربة اطلاقاً، بل هو مع الابعاد الرئيسة لكيفية بناء دولة القانون،وذلك بدمج تلك الأبعاد مع الواقع الكوردستاني و يتم منه تأليف كتاب جديد حول بناء دولة القانون خاص بأقليم كوردستان،وفي هذا الاطار اذا ماعدنا الى أوائل تسعينيات القرن الماضي عندما كان السيد مسعود بارزاني رئيساً للجبهة الكوردستانية، لوجدنا أنّه كان دائماً يضع نصب عينيه نقطتين مهمتين وهما:


1- بلدنا ليس فقيراً،ولكن هذا البلد الغني قد تم تدميره ونحن بحاجة الى مساعدة المجتمع الدولي بغية تحسين بنيتها التحتية.
2- شعب كوردستان شعب نشط و مبدع واذا ما تطورت قدراته و تم تشغيله بكل مستواه مع مصادر اقليم كوردستان،فأنه يُتوقع منه كل الابداعات.
السيد مسعود بارزاني رئيس أقليم كوردستان أشار الى ذلك بعد الانتفاضة المباركة في ربيع عام 1991 و من ثم صدور القرار 688 لبناء الملاذ الآمن، كما جاء في مقابلة مع مجلة هارفارد انترناشنال: (عودة الأمل:الاستفادة من التدخل البشري- Hope Restored: Benefits of Humanitarian Intervention)،وهذه اشارة الى أنّ السيد مسعود بارزاني يرى في بناء الملاذ الآمن وصدور القرار 688 بأنه عودة للأمل من اجل الاستفادة من هذا التدخل البشري الذي بدأ لأول مرة في تأريخ الانسانية من اقليم كوردستان،و لبناء دولة القانون في الاقليم ،كانت أولى خطوات دولة قانون البارزاني في كوردستان بمقترحه لأجراء الأنتخابات في اقليم كوردستان وملء الفراغ الاداري الذي نتج عن انسحاب ادارات النظام العراقي السابق من كوردستان،من هنا لو قارننا بين اقليم كوردستان في صيف 1991 وبين سنغافورة عام 1965،عندما انسحبت القوات البريطانية من هذه البلاد،لوجدنا أنهاّ نفس وجهات النظرالتي كانت موجودة ازاء سنغافورة و بنفس الشكل ولكن بأختلاف المراحل التاريخية لأقليم كوردستان،لم يتصور أحد أنّ اقليم كوردستان وبعد انسحاب ادارات النظام العراقي السابق منه، يصل الى المستوى الحالي من التقدم بالرغم من الخلل و النواقص الموجودة في الاقليم ونحن غير مقتنعين بها قبل غيرنا،والجهود كلها تنصب من أجل معالجتها،وبالنسبة للاوضاع الراهنة والسيد مسعود بارزاني رئيس لآقليم كوردستان وكل جهوده هي من أجل المحافظة على الأمن و الاستقرار في كوردستان على المستويات السياسية و والادارية و الاجتماعية مع ضمان التعددية السياسية و القومية و الدينية للجميع وحل المشكلات بين الاحزاب الكوردستانية سواء التي في السلطة أوالمعارضة عن طريق الحوار و المحادثات و بغية التعاون لنجاح عملية الاصلاحات، كل هذه الامور تم اتخاذ الخطوات بشأنها بجهود الرئيس البارزاني وذلك بهدف تحقيق مجتمع ينعم بالرفاه،وهذا يعتبرمرة أخرى( عودة الأمل) للأستفادة من الاوضاع الراهنة في كوردستان والعالم واستكمال الخطوات نحو بناء دولة القانون.

سنغافورة من العالم الثالث الى الأول
في عام 1997 عندما واجهت تجربة نمور آسيا الازمة الاقتصادية،لم تشمل الأزمة سنغافورة،لذا نجد أنّ تجربة سنغافورة أثبتتْ مرة أخرى أنّها مميّزة، وإنّ سبب عدم تأثرها بهذه الأزمة يعود الى أنها كانت خاصة ومبنية على أساس خصوصيات البلاد،وحول هذا التقرير والموضوع سألنا البروفسور وول ميتشل استاذ الادارة الدولية في جامعة دوك (Duke)و المتخصص في مجال ستراتيجية ادارة الاعمال،وكان استاذاً لسياسة الاعمال في الجامعة الوطنية السنغافورية حتى عام 2008، حيث تحدث ل(كولان)حول سر نجاح تجربة سنغافورة قائلاً: ((قبل كل شيء أود أن أقول أنّ تجربة سنغافورة كتجربة لبناء دولة القانون أمر ليس بالسهل، ولكن في الوقت ذاته ليس مستحيلاً،وكما ترون أنّ الكثير من بلدان العالم حاولتْ تحقيق النجاح في مجال بناء دولة القانون،ولكن النتائج تذكر لنا أنّ عددأً قليلاً منها كانت ناجحة،واعتقد أنّ نجاح هذه العملية تضم اربعة عوامل رئيسة:


الاول: النشاطات الرئيسة للدولة
الثاني:البيئة المؤسساتية
الثالث:الاستثمار الدولي لدعم النشاطات المحلية
الرابع:عبارة عن تركيبة للنشاطات السياسية والتجارية
اذن العوامل الرئيسة هي:البنى التحتية والاستثمارات الوطنية و الننشاطات السياسية و التجارية،كما أن الدول بحاجة الى الاستثمار في ثلاثة مجالات:1- التربية2-الرعاية الصحية 3- التجارة و الاستثمار على المستوى المحلي.

لذا فمن أجل تحقيق مجتمع قوي و اقتصاد محلي قوي ايضاً، هناك ضرورة لوجود بنية تحتية قوية في المجال التربوي،ليكون المواطنون على وعي وفهم، و اصحاب قدرات و ومواهب يستطيعون العمل،ثم من الضروري وجود رعاية صحية قوية،ليكونوا في صحة جيدة و يواصلون العمل معاً، كما يجب أن يكون هناك بنية تحتية متينة من اجل وجود اقتصاد محلي قوي،وهنا توجد خمسة عوامل لها دورمهم في تطويرالاعمال المحلية، معظم الدول ليس لديها هذه العوامل بشكل متوازن،ولكنها من الافضل التقرب منها،وثمة نماذج من الدول تمتلك العوامل الخمسة : الولايات المتحدة الامريكية ونيوزلندا و و هونك كونك و المملكة المتحدة،والعوامل الخمسة هي:انعدام الفساد،التجارة الشفافة،وجود رأسمال،وجود نظام قانوني معتمد،والخامس هو وجود دور مرن للعمال،وذلك من أجل القدرة على تأجير المواطنين ونقلهم في الاوقات الضرورية)).

وعلى هذا الاساس و قراءة التجربة السنغافورية كتجربة ناجحة،يقول البروفسور ميتشيل في اطار حديثه ل(كولان) : ((لونظرنا الى التجارب الناجحة بعد الحرب العالمية الثانية،لوجدنا أنّ هناك نماذج عدة،اول دولة شهدت التنمية كانت(اليابان).اليابان تتصف بالديمقراطية الناجحة،ولكن في الوقت ذاته نجد أنّ حزباَ واحداً فقط حكم البلاد على مدى السنوات السابقة، هناك دول أخرى بعد اليابان:وهي كوريا و تايوان و هونك كونك و سنغافورة،ونقاطها المشتركة عبارة عن: ( الى حد ما نسبة الفساد منخفضة،ادارة شفافة،وجود رأسمال ،نظام قانوني مستقر،مرونة في مجال العمل)صحيح في بعض الحالات مستوى العوامل الخمسة قليلة و في غيرها كبيرة،ولكن هناك توازنا بين العوامل الخمسة لدى البلدان الخمسة،لذا برأيي أنّ ألامر الذي يجب أنْ نتعلمه في العوامل الخمسة عبارة عن الدعم في التطور الاقتصادي والنمو الاجتماعي و الانتعاش الاقتصادي،مع تحقيق التعددية في النظام السياسي،وعلى سبيل المثال لو نظرنا الى دولة (سنغافورة)، لوجدنا أنه منذ تأسيس الدولة في عام 1965 فإنّ حزباً سياسياً واحداً يحكم البلاد،وانّ سنغافورة كحكومة تدعم التجارة الحرة و تصدر القوانين لانعاشها ،من جهة اخرى انّ هذا النظام السياسي مهّد بنيته التحتية لنمو التجارة،وعلى سبيل المثال العلاقات و المطارات التي تُنعش التجارة.اذن،دولة سنغافورة تمتلك حكومة واحدة،أما تايوان فقد حكمها حزب سياسي واحد"كوميتانك"لعدة سنوات وفي غضون 15-20 سنة الماضية حكمها مرةً"دي بي بي" ومرة أخرى"كوميتانك".و"كوريا"حتى الفترة الاخيرة كانت تحكمها حكومة مستقرة وقوية،"هونك كونك"فيها حكومة محلية قوية الى حد ما،و"اليابان"فيها حكومة قوية.

ومن هنا يتبين لنا أنّه بأمكان الدول أن تمتلك انظمة متعددة الاحزاب،ولكن الامر المهم هو أن تكون الدول قريبة من الابعاد الخمسة،لكي تتمكن من بناء أسس قوية لتجارتها،الى جانب تحقيق النمو الاجتماعي و الانعاش الاقتصادي.

ومن هنا اذا ماعدنا الى سنغافورة،بأمكاننا القول بأن هذه الدولة نموذج لبلد كانت من قبل مركزاً للتجارة الاقليمية واليوم أصبحت مركزاً تجارياً دولياً،وكلاَ من اليابان وتايوان و هونك كونك نماذج على ذلك.لأنّ تلك الدول لاتمتلك ثروات طبيعية،لذا عليها المسايرة و التأقلم مع التحولات العولمية،وذلك عن طريق التحول الى مراكز تجارية اقليمية ومن ثم التقدم و التحول الى مراكز تجارية دولية،أنّ تلك الدول تمكنت من تحقيق ذلك عن طريق التطور التربوي،حيث لولا وجود نظام تربوي قوي لما استطاعتْ أية دولة أن تصبح مركزاً تجارياً عالمياً.وكذلك حققته عن طريق تطور الرعاية الصحية ولولا وجود نظام صحي قوي لما تمكنت من التحول الى مركزتجاري،انّ هذه الدول تمكنت من تحقيق هذا الهدف عن طريق تطوير التربية و التجارة المحلية لأنّ كل الدول تحتاج الى اسس تجارية محلية قوية للتوازن مع التجارة الدولية،كل من اليابان وتايوان و هونك كونك و سنغافورة نماذج من هذا النوع،وفي الوقت ذاته ثمة دول أخرى تمتلك ثروات طبيعية و بترول حققت تقدماً في هذا المجال،ومنها كندا واستراليا اللتان تستفيدان فقط من ثرواتهما الطبيعية،كما نجد أنّ الدول التي تعتمد فقط على واردات النفط تواجه صراعات و مشكلات،لانها تحصل على موارد مالية بسهولة و لايتم توزيعها بالتساوي على مكوناتها، كما يتم تبادل كميات كبيرة من المبالغ وتصل الى أيدي مجاميع صغيرة في المجتمعات وبالتالي هم المستفيدون الوحيد منها،الدول الاخرى التي لاتمتلك ثروات نفطية مثل سنغافورة و تايوان وكوريا فإنّها تعتمد على التنمية في مجالات التربية و الصحة و البنى التحتية،في حين أن الدول ذات الثروات النفطية لاتحتاج الى هذه الانظمة لأنّ النفط بحاجة الى الحفر و الاستخراج،وتصل مبالغ كبيرة من الاموال بسهولة الى الدول النفطية،و بالنتيجة تستفيد منها مجموعة صغيرة داخل المجتمع والواردات لاتتوزع بالتساوي بين عموم مكونات البلاد.


الديمقراطية بدون تبادل السلطات
الجانب الآخرالذي هو موضع تأملات مختصي السياسة و المجال الديمقراطي الدولي،أنّ أنجح دول شرق آسيا كاليابان وسنغافورة يحكم فيهما حزب سياسي واحد منذ بداية بناء دولة القانون والعملية التنموية المستمرة وانّ هذا الحزب السياسي لم يكن فقط سبباً الى التوجّه نحوالدكتاتورية و الفساد و عدم الشفافية ، بل أوصل البلاد الى تصنيفها في مستوى الصف المتقدم لدول العالم الاول،وعلى سبيل المثال اليابان هي احدى كبريات الدول الصناعية الثمانية في العالم وتأتي سنغافورة في المرتبة العاشرة و كوريا الجنوبية في المرتبة(11)،السؤال هنا هو:هل أنّ هذا التصنيف هو على الصعيد الديمقراطي في العالم؟بدون شك كلاّ، إنه على مستوى المستوى العالي لدخل الافراد و الادارة الناجحة في العالم،وحول هذا الجانب سألنا البروفسور ليندا يون جييم ليم استاذة سستراتيجية الشركات و التجارة الدولية في جامعة مشيغان، حيث أجابت قائلة: ((هناك أناس يعتقدون أنّ وجود الحزب الواحد ليس في سنغافورة و حتى في كوريا و تايوان،كان في البداية عاملاً مساعداً في التنمية ، هذا في الستينيات و السبعينيات. لأن وجود الحزب الواحد في الحكومة لو كانت ناجحة سوف يؤدي الى القدرة على اتباع سياسة التنمية دون مراعاة المصالح الخاصة للمجاميع،وهذا يعني أنّ الحكومة لاتصبح بديلة للمصالح الخاصة،إنّ كوريا و تايوان تمكّنتا في عام 1988 من تغيير البلاد من حكومة ذات الحزب الواحد الى حكومة ديمقراطية، أعتقد أنّ ادارة الحزب الواحد في سنغافورة في البداية كان مساعداً،ولكن في الوقت الحاضر ليس له ذلك التأثير،صحيح أنّه ليس ضرورياً وغيركاف،ولكن أعتقد أنّ وجود دولة قوية ، مثلما يصفونها الاقتصاديّون ب (النامية) مهم جداً اذا كان هدفها تنمية البلاد،كما فعلتها الحكومتان الكورية و التايوانية في البداية من هذا القبيل،ولكن اذا كانت حكومة ذات الحزب الواحد فإنها غير مفضلة،لأنها لاتنمّي البلاد، ولكنها عندما تتحول الى دولة غنية كما هي حال سنغافورة الآن،أغنى من أمريكا ،فإنها تصبح دولة طليعية في التكنولوجيا،وتصبح دولة ديمقراطية أيضاً،مع وجود منافسة أشد،لأنها لايُتوقّع أن يكون مصدر الافكار الجيدة من الحزب الواحد،وعندما يصبح الناس الاغنى وارفع مستوى من التربية ، عندها يجب أنْ يكون أمامهم بدائل سياسية مختلفة،و لو يحكم حزب واحد في سسنغافورة حتى لمدة 25 عاماً فهذه ليست مشكلة، ولكن لو استمر لاكثر من اربعين أو خمسين عاماً، اعتقد انها مدة طويلة جداً)).

وحول الموضوع ذاته سألنا البروفسور زيني سارابيا بانول استاذ الصحافة في جامعة ميدل نينس،والمتخصص في اقتصاد دول شرق آسيا،وقد عبّر عن رأيه قائلاً: ((اعتقد ان هذه الدولة صاغت توجهات واهداف محددة واتخذت مساراً واساليباً نحو تحقيق تلك الاهداف،بدأت عملية التصنيع في البلاد وخلقتْ الاستقرار فيها التي كان لها التأثير على استقطاب الاستثمار الخارجي،و السبب الآخر هو أنّ سنغافورة أجرتْ الاستثمار في أهم المصادر الطبيعيية وهي الناس،وانها قامتْ برفع المستوى التربوي للشعب وتحسين ظروفهم الاقتصادية،اذنْ لو تمتلك مصادر طبيعية كالنفط او اي مصدر آخر فأنك لاتستطيع أنْ تصبح دولة نامية انْ لم تجر الاستثمار في اهم مصدرو هو الشعب،عن طريق اتخاذ الاجراءات، تنمية الناس و تربيتهم والاستثثمار لتحسين ادائهم،ورفع القيودعن حرية التعبير وضمان الشفافية و اطلاع الناس عن كيفية ادارة الامور الحكومية،مع المساواة في توزيع الثروات التي تأتي عن طريق واردات النفط،اعلم أنّ سنغافورة دولة ذات التعدد العرقي،ولكنها تحترم تعددية سكانها،الدين الرئيس فيها الاسلام،لاتوجد أية مشكلة في الديانة،امريكا لديها مجاميع دينية اساسية،بحيث تستخدم الدين كوسيلة للمزيد من التفاهم بين الناس والاحترام فيما بينهم،وكذلك من اجل خلق نظام مشترك حول كيفية تطوير البلاد من الناحيتين السياسية و الاقتصادية،لذا نجد أنّ التربية عبارة عن الاستثمار في تحسين أداء الناس،مواطن متربي و مستقرو سالم و منتج،بحيث إنْ لم تجرِ الاستثمار في التربية،فإنّك لاتستطيع التقدم على نحو دولة كسنغافورة،اذن فإنّ التربية مهمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي التي تتطلع اليه البلاد)).


الطبقة الوسطى و مكافحةالفساد
يقترن ظهورالطبقة الوسطى بأحد العوامل المهمة لبناء دولة القانون و سيادته في المجتمع و يُعد ايضا كقوة لمكافحة الفساد وبناء البيروقراطية الايجابية داخل مؤسسات الدولة،وحول اهمية هذه الطبقة لمجتمع سنغافورة سألنا البروفسور ادوارد فريدمان استاذ في جامعتي ويكسونيسن و ماديسون والمتخصص في الطبقات و الديمقراطية و الاقتصاد السياسي حيث قال ل(كولان) : ((موظفو سنغافورة يتقاضون اعلى الرواتب،وهذا يعني أّنّ اعلى رواتب الموظفين في العالم موجودة في سنغافورة،لذا الامر لايستوجب المغامرة و اللجوء الى الفساد إنْ كنت موظفاً في هذا البلد،وهذا هو السبب في كون سنغافورة من اقل الدول فساداً مقارنة مع الدول الاخرى،صحيح أنّ وجود الطبقة الوسطى مهم بالنسبة الى الديمقراطية، ولكنْ أعتقد أنّ العامل المهم لنجاح الديمقراطية هو الارادة السياسية للنخب المختلفة في المجتمع التي تمثّل الطبقات المختلفة فيه،وهذا يعني اذا كانتْ الارادة السياسية للنخب بأتجاه نجاح الديمقراطية ،عنئذٍ بأمكان أي فرد أو طبقة أخرى ايجاد طريقة نجاح الديمقراطية،ومن جهة أخرى كلّما اقترب المجتمع اكثر، من توفير فرص التربية و التعليم للمرأة على مستوى الجامعات،كلما استطاع الاستفادة الاكثر من الفرص في العالم والقيام بتحسين الظروف المعيشية،كما أنّ لسنغافورة موقعاً متميزاً،شبيهة بميناء كبير،و ليست فيها اراض زراعية واسعة،وعلى هذا الاساس لاتوجد فيها طبقة فلاحية فقيرة،وفي الحقيقة الدولة تشبه مدينة كبيرة،سنغافورة لاتملك مناطق سكنية فقيرة،في حين توجد في معظم الدول مثل هذه المناطق،ومع هذا،فإنها قامت بأدارة اقتصادية ناجحة في البلاد،لم تكن مترددة أو قلقة من الاستثمارات الخارجية،حيث أنّ ثلثي صناعة البلاد تحت سيطرة الشركات متعددة القوميات،كما كانت تمتلك حكومة متنامية،استفادت من موقعها كميناء،تحولت الى منطقة صناعية ومكاناً لتكرير النفط،كما اصبحت مركزاً لجذب السيّاح،لآن المعوقات التي واجهت هذا البلد تختلف عمّا تواجهه بلد بعيد عن البحر،أو دولة زراعية وفيها شعب فقير،أي أنّ الدخل الفردي في سنغافورة اعلى من دخل الافراد في اغلب دول العالم)).

والبروفسور وول ميشيل يقول في اطار حديثه ل(كولان) حول اهمية الطبقة الوسطى أكد: (( الطبقة الوسطى يتطلب النشوء،التطور الاجتماعي و الاقتصادي يؤدي الى هذا النشوء،وعلى سبيل المثال رأينا ذلك في الهند، الطبقة الوسطى عبارة عن أشخاص يمتلكون مستوى تربوي قوي و لهم القدرة على ادارة امور المواطنين، وهذا يُعد دائرة للتنمية الاجتماعية و الاقتصادية،أكررها ثانية، كما اشرتُ اليه سابقاً،إنّ تعزيز الابعاد الخمسة التي ذكرتها بشأن البنى التحتية للمؤسسات،يؤدي الى ضمان أرضية لنشوء الطبقة الوسطى،وهنا توجد عدة أمثلة واضحة حول الموضوع،فمثلاً دولة الصين مع الدول الشيوعية السابقة ،أمثال هونك كونك و تايوان وكوريا و اليابان و سنغافورة، اذنْ التربية هي احد الاعمدة الثلاثة للتنمية، تعتبرالتربية مهمة من ناحيتين:خلق أساس من ناحية التنمية المحلية،و الثانية : خلق حوافز للعمل في مجال الاستثمارات الدولية،وحسب رأيي فإنّ وجود نظام تربوي للمواطنين اعتباراً من الحضانة وثم المرحلتين الابتدائية و و المتوسطة وصولاً الى الجامعات وبعد التخرج،يوفر الفرصة للمواطنين للعمل بشكل فعّال و مهني في مجال التجارة و في الحكومة و المنظمات الاجتماعية، لانّ أي تطور لايمكن أنْ يحدث على المستوى المحلي دون وجود تربية قوية،وممن ثم تأتي الحوافز للتنمية في التجارة الدولية،و التنمية الدولية تتحقق عبر عاملين، الاول: استثمارات الشركات و المنظمات الدولية في اجواء تتضمن القوى العاملة القوية،لو نظرنا الى سنغافورة لوجدنا أنّ شركات امريكية و اوروبية و يابانية و صينية و هندية تستثمرأموالها فيها بكل ارتياح وذلك بسبب وجود قوى عاملة قوية،العامل الثاني هو امكانية مواطني الدول العودة الى اوطانهم ومواصلة الاستثمارات،واقصد بذلك الذين تركوا بلدانهم و اهاليهم وتوجهوا الى دول أخرى،فمثلاً أنّ بعض من مواطني سنغافورة يعملون في امريكا أواوروبا أو استراليا،ولكن بسبب نجاح النظام التربوي في سنغافورة و الاهتمام بالخلل و البنى التحتية الرصينة للبلاد،نجد أنّ المستثمرين من الاصل السنغافوري يعودون بأستمرار الى بلدهم ويعملون في الاستثمارات،كما الحال في الهند حيث يعود مواطنوها من الخارج ويستشمرون أموالهم في وطنهم، ولكن مكافحة الفساد أحد العوامل الرئيسة وهي توفّر الفرص أمام المواطنين ولكسب الوقت و الاستثمار في المجالات التي تؤدي الى التنمية الاقتصادية و الاجتماعية بشكل أوسع،وهنا أكرر ما أشرت اليه سابقاً، حيث بتحقيق جانب واحد فقط لاتنجح التنمية الاقتصادية و الاجتماعية،بل أنّ نجاح التنمية مقرون بدمج الابعاد الاربعة أو الخمسة التي أشرنا اليه من قبل،وذلك من أجل تحقيق اقتصاد قوي و مجتمع مقتدر)).
Top