• Saturday, 04 February 2023
logo

حتى في ألمانيا!

حتى في ألمانيا!

بكر صدقي

ألقت السلطات الألمانية القبض على 25 شخصاً يشتبه بتخطيطهم لعملية انقلابية تطيح بالحكومة المنتخبة، وشارك في الحملة الأمنية 3000 شرطي قاموا بمداهمة عناوين في عدة مدن، وما زال هناك على قائمة الاعتقالات نحو 25 شخصاً. وفي خلفيات الانقلابيين أن قسماً منهم ضباط متقاعدون من الجيش الألماني ومتطرفون قوميون، يتزعمهم شخص يلقب بالأمير ويسمى «هاينريش الثالث عشر» يبلغ من العمر 71 عاماً.

هذا هو باختصار الخبر الذي تداولته وسائل الإعلام نقلاً عن الادعاء العام الألماني. مدهش هذا الخبر، فنحن لا نتحدث عن أحد بلدان العالم الثالث التي يحفل تاريخها بالانقلابات العسكرية أو انقلابات القصر أو مؤامرات الأجهزة السرية أو الاضطرابات الاجتماعية وغيرها من ضروب السعي إلى السلطة بوسائل عنيفة، بل عن بلد أوروبي هو قلب القارة العجوز ومعجزتها الاقتصادية الأبرز، وأحد البلدان الأكثر ثراءً في العالم.

ما زال الخبر طازجاً لم تتضح معالمه بصورة كاملة بعد، ولكن حالة الاضطراب وغموض الوجهة في عالم اليوم يسمح بتعليق أولي يدرج هذا الحدث في إطارها. فالعالم منقسم اليوم بحدة بين الغرب الأطلسي من جهة والقوى الامبريالية الصاعدة التي تبحث عن حصتها من «نِعَم الامبريالية» بقيادة روسيا والصين من جهة ثانية، في صراع ساخن على أرض أوكرانيا، وأقل سخونة في مناطق أخرى من العالم. في حين تعاني منطقتنا من صراعات ما بعد الربيع العربي بين قوى إقليمية متنازعة لا تخلو من امتدادات للصراع الدولي الأول من خلال الحضور العسكري المباشر لروسيا والولايات المتحدة، كما من خلال حروب النفط والغاز التي لها صلة مباشرة بالصراع في أوكرانيا وحولها.

المشهد بعمومه يشبه إلى حد كبير بدايات القرن العشرين التي كان العالم فيه قد فقد عقله في الطريق إلى الحرب العالمية الأولى التي ستغير وجه العالم. أكثر ما يخيف اليوم هو أن الامبراطوريات الصاعدة تملك أسلحة دمار شامل ويقودها حكام لا يستطيعون الاعتراف بالهزيمة. أتحدث بالطبع عن روسيا وفلاديمير بوتين بصورة خاصة الذي تشير كل معطيات حربه المجنونة أنه قد هزم عسكرياً وسياسياً، ولم يبق إلا الاعتراف بهذه الهزيمة وتحمل نتائجها.

أما الدول الغربية، فعلى رغم امتناعها عن المشاركة العسكرية المباشرة، فقد بلغ بها الشطط حد وضع سقف لسعر النفط الروسي! قد يبدو هذا القرار للوهلة الأولى جيداً من حيث «تجفيف موارد» تمويل الحرب البوتينية بغاية دفعه للاستسلام، لكنه خروج على قواعد اللعبة في التجارة العالمية كحال الخروج الروسي على قواعد اللعب في العلاقات الدولية أو كحال الإرهاب باعتباره الخروج المطلق على جميع القواعد باستبدال العنف العدمي بالسياسة. ثمة سابقة مشهورة تعود إلى العام 1973 حين توقفت الدول العربية المصدرة للنفط عن تصديره بهدف الضغط على حلفاء إسرائيل في الحرب التي جرت في ذلك العام بينها وبين كل من مصر وسوريا، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع قياسي في أسعار المحروقات ظهرت آثاره في شوارع المدن الغربية. الآن جاءت الحملة من الجهة المعاكسة وبطريقة خسيسة، حيث المستهلك يحدد السعر للمنتج، بدلاً من الامتناع عن الشراء.

على أن خلفيات الحدث الألماني لا علاقة مباشرة لها بالحرب الأوكرانية، بقدر علاقتها بموجات الهجرة التي تقابل في عدد من الدول الأوروبية بردود فعل عنصرية تستعيد ما ظن العالم أنه انطوى في صفحات التاريخ، وبخاصة بعد نهاية الحرب الباردة و«نهاية التاريخ». لا جديد في الحديث عن صعود اليمين واليمين المتطرف في عدد من البلدان الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة التي شهدت الظاهرة الترامبية التي لم تختف بخسارة ترامب في الانتخابات الرئاسية. غير أن الحماقة تعدي، فها هم متطرفون ألمان يخططون من كل «عقلهم» للاستيلاء على السلطة بوسائل غير شرعية كما فعل أنصار ترامب الذين هاجموا مبنى الكابيتول في واشنطن، لإعلان «البيان رقم واحد» من مبنى الرايخستاغ، وإلغاء الشرعية الدستورية وفرض أحكام استثنائية من أجل هندسة المجتمع بما يتوافق مع تصوراتهم المريضة. من المحتمل أن المغامرة البوتينية قد شجعت هؤلاء المتطرفين ومنحتهم أملاً بأن خطتهم لها حظ من النجاح في عالم اختلت معاييره، وأفكارهم لم تعد هامشية بعدما وصلت قوى يمينية تشبههم إلى السلطة في أكثر من بلد أوروبي. في الوقت الذي نزل فيه ملايين الناس إلى شوارع المدن العربية قبل بضع سنوات، والمدن الإيرانية في يومنا هذا، طلباً للحرية والكرامة والمساواة، يتآمر «ثوريو» اليمين في الغرب لإلغاء المؤسسات الدستورية في بلدانهم التي كانت محط أنظار وتطلعات شعوب بلداننا المنكوبة. وفي حين دفعت هذه الشعوب أثماناً باهظة في حروب الأنظمة على ثوراتها السلمية، سينال متطرفو ألمانيا محاكمات عادلة أمام القضاء المستقل، ويخرجون من السجن، إذا سجنوا، بعد تنفيذ عقوباتهم وربما يشاركون بعد ذلك في الحياة السياسية من خلال أحزاب شرعية.

وما دامت مجتمعات بلدان الجنوب محرومة من أبسط حقوقها، غارقة في صراعات لا نهاية لها على الثروة والسلطة، ستستمر موجات الهجرة غرباً وشمالاً بالتدفق برغم جميع الحواجز والصعوبات، الأمر الذي سيستمر في تغذية التيارات اليمينية في تلك البلدان. خبر المؤامرة الانقلابية في ألمانيا أشبه بنكتة سمجة، لكن صعود تيارات اليمين في تلك المجتمعات لا تثير الضحك أبداً، بل تشكل أحد أبرز مظاهر غياب البوصلة في عالمنا اليوم.

Top