• Sunday, 03 March 2024
logo

قاسم الملاك ---- مدرسة في الكوميديا وحرفة اكاديمية في التمثيل

قاسم الملاك ---- مدرسة في الكوميديا وحرفة اكاديمية في التمثيل
فنان من مقدمة الفنانين الكوميديان من الذين عملوا صنعتهم وحرفيتهم الكوميدية بثقافة عالية واكاديمية راقية بعيدة عن التهريج والابتذال , هو فناننا العزيز والغالي الرائد الممثل قاسم الملاك. من منا لا يعرف الملاك ولم يتعرف على اعماله الجادة والكوميديا , قاسم الملاك علامة متميزة في الدراما العراقية ( التلفزيونية والمسرحية والسينمائية )...
كتبه: المخرج جوزيف الفارس

البعض من المحسوبين على التمثيل ولا سيما الذين لا يعلمون شيئا عن الكوميديا وانواعها , يعتقدون بان الكوميديا هي فقط لاضحاك الناس , وهؤلاء ومع كل الاسف هم المهرجين المبتذلين والذين يسيئون الى انفسهم ويعكسون ثقافتهم الفقيرة المعرفة , كونهم لا يعلمون , ولا يفهمون شيئا عن معنى الكوميديا الهادفة , وليس لهم علما عن مدرستها , ولهذا يقعون في حبال الابتذال والاستهلاك الشخصي , ومن ثم يافل نجمهم ان كانت لديهم من بقايا نجومية حازوا عليها من خلال بعض مسرحياتهم والتي اعتبروها مسرحيات كوميدية , وعاشوا على هذا الوهم ليواصلوا مسيرتهم على هذا النهج التهريجي من الابتذال من اجل اضحاك الجمهور .
اما الفنانين الكوميديان والاكاديميين منهم والذين يملكون ثقافة عن منهاج المسرح الكوميدي وانواعه , يحرصون على انتهاج الثقافة الاكاديمية في تناول مواضيعهم الساخرة والناقدة للاوضاع المتردية والسائدة في المجتمع , ويهاجمون باعمالهم ويهجون المواضيع المحرمة والمحذورة والتي هي بمثابة الخط الاحمر في تناولها فنيا والسخرية منها , ومعالجتها بشكل فكاهي وساخر مع الاحتفاظ بجدية الموضوع , حيث ان الكوميديا السوداء تدور حول مواضيع وافكار سوداوية في تناولها ومن خلال النقد والسخرية من الارهاب ومن الطبقات الارستقراطية , ومكافحة المخدرات في شخوص يؤلم واقعهم المحزن , وفي الوقت نفسه يدفعك الى الضحك على حال واقعهم وكما هو الحال في اعمال نجيب الريحاني وعبد المنعم المدبولي وغوار الطوشي , والبعض من افلام انور وجدي واسماعيل ياسين , وكذالك من العالمية والمتمثلة في نصوص مولير وتشيخوف وبرناردشو, اضافة الى اللفيف من الكتاب الكوميديان .
وها نحن نتناول في مقالنا هذا فنان من مقدمة الفنانين الكوميديان من الذين عملوا صنعتهم وحرفيتهم الكوميدية بثقافة عالية واكاديمية راقية بعيدة عن التهريج والابتذال , هو فناننا العزيز والغالي الرائد الممثل قاسم الملاك.
من منا لا يعرف الملاك ولم يتعرف على اعماله الجادة والكوميديا , قاسم الملاك علامة متميزة في الدراما العراقية ( التلفزيونية والمسرحية والسينمائية ) ان هذا الفنان الرائد اغني مسيرته الفنية بالعديد من الاعمال الدرامية والكوميدية , لقد حافظ قاسم الملاك على سيرته الفنية ومن دون ابتذال في اعماله , ولم يكن يفكر يوما ان ينال التصفيق ومن دون استحقاق عن اعماله الفنية , انه فنان قدم العديد من الادوار والتي نالت حضورا متميزا بين جمهورنا من المعجبين في سيرته الفنية .
لقد جسد الملاك العديد من الشخصيات والتي الهبت الجماهير اعجابا, ولقيت حضورا متميزا في مسيرة الدراما العراقية , واستطاع ان يتواكب مع كبار نجوم الدراما الكوميدية الاصيلة منهم : يوسف العاني , رضا الشاطىء , سليم البصري , حمودي الحارثي , وخليل الرفاعي , وجاسم شرف , لقد ستطاع هذا الفنان ان يلعب مختلف الادوار منها الجدية والكوميدية وبواقعيتها واحاسيسها ومعاناتها , فشخصية رجب مع حبيبته كمره خير دليل على ابداعاته وتالقه في رسم معالمها وتسخيرها وفق المفهوم الميلودرامي والتي مزجت بين الماساة والكوميديا , وهذه المدرسة ايضا تنتمي الى الكوميديا السوداء والتي جلبت الضحك على رجب وبالرغم من واقعه المرير .
لقد اكتسب الفنان قاسم الملاك ثقافته وحرفية التمثيل من خلال دراسته في معهد الفنون الجميلة , وزمالته الدراسية في ايطاليا ولمدة عام ونصف , انه المعين والذي لم ولن ينضب من ابداعات رسم شخوصها باتقان , وظل محافظا من خلال هذا الابداع على حرمة مسيرته الفنية , لا يحب الابتذال , ولا يهمه الثراء من جراء اعماله الفنية , انما المهم هي القيم والمعايير الاكاديمية في اعماله التي يقدمها كي يحافظ من خلالها على نجوميته في مسيرة الدراما العراقية .
عاش هذا الفنان وترعرع في احضان بغداد , وهو من مواليد 1946 حيث كان في صباه شغوفا في لعبة كرة القدم , ومن خلال هذه الرياضة والمحببة على قلبه اكتسب مرونة في جسده والتي ساعدته على استعراض اجمل الحركات وهو على خشبة المسرح , كان يراعي ومازال يراعي براعته في اداء الحركة وتنفيذ ملاحظات وتوجيهات المخرج باتقان بعد ان يضيف عليها من ابداعاته ما جعله محط انظار الجميع , ولا سيما المخرجين , والذين تعاملوا معه تعاملا فنيا لابداعاته واجتهاداته في رسم معالم شخوصه مما كان يوفر الجهد على المخرجين ويطمئنون منه , وهكذا كانت ايضا علاقته حميمية مع فرقة 14 تموز للتمثيل , والذي هو احد مؤسسيها ومع المخرج الرائد اسعد عبد الرزاق والاستاذ المرحوم وجيه عبد الغني .
اما ان هذا الفنان كيف لعبت الصدفة في مسار حياته الفنية ؟ فهي كالاتي والتي كانت السبب في تحديد توجهاته الفنية , بحيث اصبح نجما لامعا بعد ان كان يحلم يوما ان يصبح ممثلا مشهورا , لقد مزج هذا الفنان بين الرياضة والفن , حيث كان يتعامل مع كرة القدم بحرفية فنية ابهرت جميع المدربين وفاق على اقرانه من نجوم كبار كرة القدم , ولولا اتجاهه الفني في الدراما العراقية لاصبح من النجوم المشهورة في كرة القدم , حيث انه انطلق في طفولته وصباه لاعبا في فريق بابل الرياضي عام 1956 الا ان الصدفة لعبت دورا في مسار حياته الفنية ففي عام 1965 كان هذا الفنان يحضر تمارين وبروفات مسلسل محمد ابو القاسم الثقفي , ومن صفاته الحميدة انه كان يحفظ حوارات جميع ادوار المسلسل وذالك من جراء متابعاته المتواصلة لتمارين هؤلاء الممثلين المشاركين في هذا المسلسل , ولعبت الصدفة ان يغيب بطل هذا المسلسل قبل التسجيل بثلاثة ايام لعذر خاص به , فوقع المخرج والممثلين من كادر المسلسل في ورطة وحيرة انقذهم من خلالها قاسم الملاك حينما اعلن للمخرج بانه على استعداد لتمثيل الدور وتسجيله , فلما شاهده المخرج وهو يؤدي الدور وبكل اتقان ابتهج ابتهاجا لا مثيل له واعلن المخرج ان الممثل قاسم الملاك هو البديل المتفوق بتجسيد دور شخصية محمد ابو القاسم الثقفي وبهذا انقذ قاسم الملاك كادر المسلسل من الحرج الذي اوقعهم به غياب الممثل الرئيسي وبعدها واصلوا تسجيل المسلسل بنجاح .
لقد كان دور دور محمد ابو القاسم دورا صعبا وطويل ,بحيث ادهش جميع المعنيين باتقانه وادائه لهذا الدور بابداع تالق فيه , وقد مدحه وشجعه جميع المشاركين في المسلسل ولا سيما المخرج المسؤول عن تنفيذ هذا العمل .
بعد مشاركته الناجحة في هذا المسلسل حاز على ثقة جميع المخرجين بعد ان شاع صيته بينهم مما جعلهم يشاركونه في اعمالهم مما كان السبب في تالق ونجاح هذه الاعمال .
هو يؤمن ايمانا مطلقا بالعمل الجماعي , وقد تحدث عن هذا في لقاءات عديدة بان على الفنان الممثل ان يحترم عمله ويحترم الاخرين من الذين يشاركوه التمثيل , اضافة الى هذا فهوى لا يؤمن بان هناك دورا صغيرا او دورا كبيرا وانما هو يؤمن ايمانا مطلقا بان هناك ممثلا كبيرا او ممثلا صغيرا , اضافة الى انه لا يجامل بنقده او بتقييمه للاعمال الفنية , فهوى صريح بنقده , لانه يؤمن بان على الفنان يجب ان يعمل مع المخرجين الكفوئين والذين يضيفون الى ثقافته وحرفيته تجربة يطور من خلالها تجربته الفنية , وكذالك هو يفضل مشاركاته مع الفنانين والذين لهم من الخبرة والتجربة ليكتسب من تجربتهم ما يساعده على بلوغ السمو في نجوميته والمحافظة عليها .
اما اتهامه بانه يستغل من عاهات البعض من قصارى القامة او من اللذين يشكون ثقل اللسان والئتئة في الكلام في التمثيل الكوميدي , فكان دفاعه عن هذا , انه يقدم حالات بشرية تعاني من عقدها النفسية , انه في مثل هذه الحالة يقدم انسانا يعاني الما وظلما من بعض اللذين يسخرون منه , ثم يقدم رايه في كيفية معالجة هذه الاسباب للترويح عن هذا الانسان المعوق , انها حالة من حالات الكوميديا السوداء والموجودة في مدرسة المدرسة الكوميدية , ان قاسم الملاك لا يحتاج الى ان يجنح الى مثل هذه الاساليب الرخيصة والمبتذلة لجلب الضحك , وانما هو في عمله قدم صورا من هذه الماسي ليثير تعاطف الجمهور المشاهد مع مثل هؤلاء المعوقين , وفي الوقت نفسه هي تنبيه المسؤولين على احتضان مثل هذه النماذج الانسانية لرعايتهم , فهي حالة من حالات المأساة المضحكة , اي الكوميديا السوداء , وليس من اجل الضحك على مثل هذه النماذج من اصحابي العوق والاحتياجات الخاصة , ولهذا ليس كل مايعرض من العاهات والعوق الجسدي على المسرح او التلفزيون او في السينما يستخدم من اجل الضحك الرخيص والمبتذل , وانما هي حالة من الحالات الماساوية والتي يجب التعاطف معها , ونحن نتضامن بالتاييد مع الفنان قاسم الملاك حينما يقدم صورا لمثل هذه الحالات فهي خدمة لواقع هذه النماذج وفي الوقت نفسه هو اثارة العواطف على واقع حالهم وكما كان الحال مع شخصية رجب وكمره في مسلسل ( الذئب وعيون المدينة ) .
لقد انتقى الملاك صورة رجب من الواقع العراقي , واستطاع ومع المؤلف المبدع عادل كاظم والمخرج ابراهيم عبد الجليل ان يجسد هذه الشخصية باحساس صادق وبصورة متطابقة مع شخصيات يعيشها الالاف مثل رجب في المجتمع العراقي والعربي , فهوى لم يحاول استغلال هذه الشخصية من اجل الضحك او الكوميديا , وانما هو جسد شخصية لصورة انسانية عاشها رجب مع حبيبته كمره بائعة الباقلاء والفاقدة البصر والذي قدم لها نموذجا من الحب والاخلاص بالرغم من شخصيته الساذجة والبلهاء , ومع وفائه واخلاصه ايضا لاستاذه البخيل والمعوق قادر بيك والذي يقوم بخدمته , ولهذا جائت هذه الشخصية والتي جسدها الفنان قاسم الملاك بصدق الاحاسيس الانسانية والمشاعر العاطفية الصادقة بحب بريىء جمع الاثنين رجب وكمره جمع الاثنين ليلتحما مع قصة عاطفية انسانية صادقة وصورة رائعة بهذا الحب البريء . لقد تعاطفت الجماهير المتابعة للمسلسل مع شخصية رجب , هذا الممثل العملاق الذي استحوذ بتمثيله على اعجاب الالاف من مشاهدي هذا المسلسل , وهذا التالق في التمثيل ماجاء الا من خلال تحليله الاكاديمي لشخصية رجب وايجاد ابعادها الثلاثة من حيث البعد الطبيعي والنفسي والاجتماعي ,لقد اختار زيه الشعبي والتي كانت له بمثابة هويته الاجتماعية والمرتبطة بالحالة الثقافية وبعقليته الساذجة ( الابله ), لقد جسد حبه البريء لكمره بائعة الباقلاء والتي حولت رجب من شخص ابله الى رجل مسؤول عن عائلته ويتحمل المسؤولية بجدارة .
لقد شارك الملاك باعمال مسرحية عديدة منها جفجير البلد والدبخانه وجزة وخروف --- الخ – حيث ان قاسم الملاك يعد فارس السينما العراقية من حيث مشاركاته السينمائية والتي اكتسحت دور العروض السينمائية والتي حققت ايرادات ضخمة في شباك التذاكر للسينما العراقية في ذالك الوقت من العصر الذهبي لمسيرة الفن في العراق , حيث شارك في فيلم الراس من اخراج فيصل الياسري عام 1976, وكذالك في فيلم المسألة الكبرى عام 1979ومن اخراج محمد شكري جميل , وفيلم عريس ولكن من اخراج حسين امين وفيلم فائق يتزوج من اخراج ابراهيم عبد الجليل 1984 وعمارة 13 اخراج صاحب حداد 1988 وفيلم افترض نفسك سعيدا من اخراج عبد الهادي الراوي وفيلم سته على سته من اخراج خيرية المنصور وفيلم مائة بالمائة ايضا من اخراج خيرية المنصور وفيلم الملك غازي من اخراج محمد شكري جميل عام 1992 , وفيلم الحدود الملتهبة .
اما المسلسلات التلفزيونية التي شارك بها وتالق فيها هي : مسلسل محمد بن قاسم الثقفي ومسلسل جرف الملح ومسلسل الذئب وعيون المدينة ومسلسل النسر وعيون المدينة ومسلسل المتمردون ومسلسل عادل يتزوج , ومسلسل المصير القادم , ومسلسل رائحة القهوة , ومسلسل دار دور .
يبقى الفنان قاسم الملاك عمود من اعمدة الفن في العراق ومدرسة راسخة في الفن الكوميدي في العراق مثله مثل العديد من كبار نجوم العرب والعالم .
Top